يعيش الإنسان الحديث فردًا: يسكن وحده أو في أسرة صغيرة، ويذهب إلى عمله وحده، ويواجه مشكلاته وحده. وتُقدَّم هذه الفردانية عادة على أنها إنجاز حضاري، وتحرر من قيود الجماعة وسلطة العادات والتقاليد. لكن السؤال الذي نطرحه في الفيديو المرفق، وفي هذا المقال، هو: ما الثمن الحقيقي لهذه الفردانية؟ ماذا خسر الإنسان حين خرج من المظلة التي كانت تحميه؟ وهل الفردانية حرية حقًا، أم عزلة متنكرة في ثوب الحرية؟
أولًا: القبيلة… مظلة الحماية
قبل العصر الحديث، كان الإنسان يعيش تحت مظلة جماعة أكبر منه: الأسرة الممتدة، والعشيرة، والقبيلة. ولم تكن القبيلة ظاهرة عربية فقط، بل عرفتها شعوب العالم كله، وكانت أكبر مظلة تحمي الأفراد. فإذا سار رجل في مكان ما، وأراد أحدهم أن يعتدي عليه أو يسلبه، ثم علم أنه من قبيلة قوية، تراجع خوفًا. ليس لأن هذا الرجل قوي بنفسه، فقد يكون طيبًا ضعيفًا، بل لأن المعتدي يعلم أن من سيواجهه ليس هذا الفرد وحده، بل جماعة كاملة ستطلب العدل والقصاص.
وهذه الفكرة نفسها نجدها اليوم في العلاقات بين الدول تحت اسم «الردع»، أي أن تمتلك الدولة من القوة ما يجعل غيرها يفكر طويلًا قبل الاعتداء عليها، وقد عرضنا هذا المفهوم في مقال «النظرية الواقعية في العلاقات الدولية».
ثانيًا: الحماية مقابل الالتزام
لم تكن هذه الحماية مجانية. فقد كان الفرد يلتزم بأعراف الجماعة وتقاليدها، ولا ينال أمنها ورعايتها إلا بالانسجام معها. فكان هناك ضابط أخلاقي واجتماعي، أو ما يمكن أن نسميه «عقدًا اجتماعيًا» غير مكتوب، يعرفه الجميع: ألّا تفشي أسرار جيرانك، ولا تتجسس عليهم، ولا تعتدي على حرماتهم. وكان لكل فرد مكانته في البنية الاجتماعية، فإذا فقدها فقد جزءًا من حمايته. ويلفت ابن خلدون في «المقدمة» إلى أن هذه الرابطة، التي سماها «العصبية»، هي أساس قوة الجماعات وقيام الدول، كما شرحنا في مقال «ابن خلدون».
اللجوء… من القبيلة إلى الدولة الحديثة
ومن الظواهر اللافتة في المجتمعات القبلية القديمة، ومنها مجتمعات الجزيرة العربية، أن الفرد إذا خلعته قبيلته أو حدثت بينه وبينها مشكلة، لم يكن يستطيع أن يعيش وحده في جبل منعزل. بل كان يلجأ إلى قبيلة أخرى، قد تكون خصمًا لقبيلته، فيطلب الانتماء إليها والدخول في حلفها، فيلتزم بأعرافها ويدافع عنها، وتحميه هي في المقابل. وهذا يشبه إلى حد بعيد نظام «اللجوء» في العلاقات الدولية الحديثة، حين يطلب إنسان حماية دولة أخرى.
ثالثًا: الإنسان الحديث بلا مظلة
فقد الإنسان الحديث هذا الغطاء الذي كان يمتص عنه الصدمات: القبيلة، والأسرة الممتدة، والحيّ الذي ينتمي إليه. فوجد نفسه يواجه العالم وحده. يذهب في الصباح إلى عمل يستهلك يومه، ويعود ليواجه مشكلات الحياة اليومية دون سند. وهذه الظاهرة ليست عربية، بل عالمية؛ ففي كثير من المدن الكبرى حول العالم يعيش الناس جيرانًا لا يعرف بعضهم بعضًا.
| الوظيفة | في الأسرة الممتدة | في نمط الحياة الفردي الحديث |
|---|---|---|
| تربية الأطفال | يشارك فيها الأجداد والأعمام والأخوال والجيران | تقع على الأم والأب وحدهما غالبًا |
| الحماية | الجماعة تحمي الفرد وتردع المعتدي | الفرد يعتمد على نفسه وعلى مؤسسات الدولة |
| الدعم النفسي | مساحات تنفيس ومشاركة دائمة | عزلة وضغوط متراكمة |
| الرقابة الأخلاقية | كل كبير يرى في الصغير ابنًا له | «ليس من شأني» هي القاعدة السائدة |
رابعًا: الأم الحديثة… العبء المضاعف
من أوضح صور هذه الأزمة حال الأم في العصر الحديث. فهي تعمل وتلتزم بمواعيد ومهام وضغوط، ثم تعود لتحمل وحدها عبء تربية الأبناء ورعاية البيت. وحتى إن لم تعمل خارج البيت، فقد فقدت المساحات التي كانت توفرها الأسرة الممتدة، حين كانت الجدة والعمة والخالة يساعدن ويخففن العبء. فصار الحمل كله على كتفيها وحدها.
ولهذا فإن الهشاشة النفسية التي يعاني منها كثير من الناس اليوم ليست في الأساس بسبب ضعف شخصياتهم، ولا بسبب الهواتف ووسائل التواصل وحدها، وإن كان لها أثر، بل لأنهم وحيدون؛ لم يعد معهم من يسندهم. وقد سبق عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم إلى ملاحظة العلاقة بين ضعف الروابط الاجتماعية وتزايد الأزمات النفسية، فيما سماه «الأنومي» أو فقدان المعايير.
خامسًا: الدولة… والمواطن أيضًا
حاول الإنسان الحديث أن يجد بدائل لهذه المظلة المفقودة، كالنقابات والجمعيات، ثم الدولة الحديثة. وفكرة الدولة فكرة عظيمة، لكن لكل دولة تحدياتها؛ فالدولة قليلة السكان كثيرة الموارد تختلف عن الدولة التي يبلغ سكانها عشرات الملايين أو أكثر. كما أن الاقتصاد العالمي والشركات متعددة الجنسيات صارت تؤثر في قدرة الدول على مواجهة التحديات.
ومن السهل دائمًا أن نلقي باللوم على الدولة، لكن السؤال الأهم: ماذا عن دورك أنت؟ فالدولة قوية بمواطنيها وبفاعليتهم. كم منا إذا رأى خطأ في الشارع نبّه إليه بأدب؟ وكم منا إذا لاحظ مخالفة أبلغ عنها عبر القنوات الرسمية المتاحة، بدل الشكوى العامة؟ إن الدولة لا يمكن أن تضع موظفًا في كل شارع؛ فالمجتمع المتماسك يبدأ من مواطن يشعر بالمسؤولية.
سادسًا: العودة إلى روح التكافل
ليس المطلوب أن نعود إلى نمط حياة القبيلة، ولا أن نرفض الحرية الفردية، بل أن نستعيد روح التكافل التي كانت تميز مجتمعاتنا. فحين تعطي محتاجًا مبلغًا يسيرًا، قد تكون بذلك تنقذه من ضيق يدفعه إلى ما لا تُحمد عقباه. وحين ترى طفلًا يفعل خيرًا في الشارع فتشجعه بكلمة طيبة، فإنك تبني إنسانًا. ولعل أكبر أخطاء عصرنا أننا صرنا نهدم الناس بالنقد بدل أن نبنيهم بالتشجيع. والمجتمع الذي يقف أفراده بعضهم مع بعض، هو المجتمع القادر على مواجهة تحديات العصر.
خاتمة
الفردانية ليست شرًا خالصًا، فقد منحت الإنسان قدرًا من الحرية والاستقلال. لكنها حين تتحول إلى عزلة، يفقد الإنسان سنده ومظلته، ويواجه العالم وحيدًا هشًّا. والفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع والدولة، فإذا انكسر الفرد ضعف المجتمع كله. والطريق إلى التوازن يمر عبر أسرة متماسكة، ومجتمع متكافل، ومواطن يشعر بمسؤوليته تجاه وطنه. وقد ناقش رينيه جينو الفردانية بوصفها أصل أزمات الحداثة في كتابه الذي لخصناه في مقال «أزمة العالم الحديث».
المراجع
- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. القاهرة: دار نهضة مصر.
- Durkheim, É. (1893). De la division du travail social. Paris: Félix Alcan.
- Durkheim, É. (1897). Le Suicide: étude de sociologie. Paris: Félix Alcan.
- Tönnies, F. (1887). Gemeinschaft und Gesellschaft. Leipzig: Fues.
- Tocqueville, A. de (1840). De la démocratie en Amérique, Vol. II. Paris: Gosselin.
- Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon & Schuster.
- Guénon, R. (1927). La Crise du monde moderne. Paris: Bossard. (الفصل الخامس: «L’individualisme»).


