هل يتحكم في مصير العالم قلة من البشر؟ هل المجتمعات في حقيقتها أقلية مؤثرة تصنع القرار، وأكثرية غير مؤثرة تتبع وتنفذ؟ هذه الأسئلة ليست جديدة، لكن نظرية النخبة في العلوم السياسية حاولت أن تجيب عنها إجابة منهجية منذ أواخر القرن التاسع عشر. في هذا المقال، المبني على حلقتين من سلسلة «علم السياسة» على قناتي، نشرح نظرية النخبة: تعريفها، وأنواع النخب، وأشهر روادها، وطرق تحديد النخبة، وكيف تتغير، وما الفرق بين المجتمعات بحسب درجة التكامل بين نخبها.
أولًا: ما النخبة؟
تقوم نظرية النخبة على تصور بسيط: في أي مجتمع، أو مدينة، أو مؤسسة، توجد أكثرية من الناس لا تملك إلا قدرًا محدودًا من التأثير، وأقلية تشغل الحيز الأكبر من النفوذ واتخاذ القرار. والتعريف الأكثر شيوعًا للنخبة السياسية أنها «القلة الأكثر تأثيرًا على المستوى السياسي»، أي المرتبطة بصناعة القرار واتخاذه. ومن خصائصها الجوهرية أنها أقلية دائمًا؛ فالنخبة لا يمكن أن تكون أكثرية بحكم تعريفها.
وتتعدد تعريفات العلماء: فمنهم من حدد النخبة بالمناصب في فترة زمنية معينة، كأعضاء الحكومة والبرلمان، ومنهم من عرّفها بأنها الأقلية التي تمارس تأثيرًا اجتماعيًا وسياسيًا. أما عالم الاجتماع أميتاي إتزيوني فوسّع المفهوم، فرأى أن النخبة هي «الوحدة التي تقود بقية الوحدات»، وقد تكون فردًا يقود جماعة، أو دولة تقود غيرها في النظام الدولي.
ثانيًا: النخبة المركزية والنخبة المحيطية
النخبة ليست كتلة واحدة متجانسة. ففي أي مجال، كصناعة معينة أو حقل علمي، نجد «نخبة محيطية» تتميز عن بقية العاملين لكنها أقل تأثيرًا، و«نخبة مركزية» تمثل صفوة الصفوة، أو ما يسميه الفرنسيون «كريمة الكريمة»، وهي الأكثر تأثيرًا وقدرة على توجيه القرار. فحتى داخل النخبة نفسها توجد درجات.
ثالثًا: الآباء المؤسسون للنظرية
| المفكر | أهم أعماله | فكرته الأساسية |
|---|---|---|
| غايتانو موسكا | «عناصر علم السياسة» (١٨٩٦) | في كل مجتمع طبقتان: حاكمة قليلة العدد ومحكومة كثيرة العدد |
| فلفريدو باريتو | «رسالة في علم الاجتماع العام» (١٩١٦) | «دوران النخب»: التاريخ مقبرة للأرستقراطيات، تحل نخبة محل أخرى باستمرار |
| روبرت ميشلز | «الأحزاب السياسية» (١٩١١) | «القانون الحديدي للأوليغارشية»: كل تنظيم ينتهي إلى حكم قلة، حتى الأحزاب الديمقراطية |
| تشارلز رايت ميلز | «نخبة القوة» (١٩٥٦) | تداخل النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية في المجتمعات الحديثة |
وقد استمد الإيطاليون الأوائل أفكارهم من علم الاجتماع وعلم النفس، ورأوا أن انقسام المجتمع إلى حكام ومحكومين ظاهرة عامة في التاريخ كله، لا تقتصر على نظام بعينه.
رابعًا: النخبة في مواجهة التفسير الطبقي
جاءت نظرية النخبة، في جانب منها، ردًّا علميًا ومنهجيًا على التفسير الماركسي للتاريخ. فالماركسية ترى أن التطور الإنساني محكوم بعامل رئيسي هو صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء، أو بين الرأسماليين والطبقة العاملة. أما نظرية النخبة فتقدم جوابًا مختلفًا: إن التاريخ تكتبه قلة مؤثرة لا طبقات واسعة، وهذه القلة هي التي شكّلت مسار الأحداث في كل زمان ومكان.
خامسًا: كيف نحدد النخبة؟
- منهج الموقع (المنصب): يحدد النخبة بمن يشغلون المناصب الرسمية العليا. وهو سهل التطبيق، لكنه قد يغفل أصحاب النفوذ غير الرسمي.
- منهج السمعة: يسأل الناس أو الخبراء عمن يرونهم مؤثرين، وقد استعمله فلويد هنتر في دراسته عن مدينة أتلانتا. وهو من أضعف المناهج لأنه يعتمد على الانطباعات لا الإحصاءات.
- منهج صنع القرار: يدرس القرارات المهمة ومن شارك في صنعها فعلًا، وقد استعمله روبرت دال في دراسته الشهيرة «من يحكم؟» عن مدينة نيو هيفن.
سادسًا: كيف تتغير النخب؟
تتغير النخب، كما شرحنا في الحلقة الثانية، عبر أربعة طرق أساسية:
- القوة: كما يحدث بعد الحروب الكبرى، مثل الحربين العالميتين، أو بعد الثورات، مثل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ التي غيّرت النخبة الحاكمة في فرنسا جذريًا.
- التعيين: حيث تُختار عناصر النخبة بالاسم من جهة عليا.
- الانتخاب: المباشر أو غير المباشر، وهو الطريق المميز للأنظمة الديمقراطية.
- الوراثة: كما في الأنظمة الملكية التي تنتقل فيها السلطة داخل أسرة أو سلالة معينة جيلًا بعد جيل.
سابعًا: درجات التكامل بين النخب
من القضايا المهمة في دراسة النخب مدى انسجامها وتعاونها. وقد ميّز الباحثون، ومنهم جون هيغلي ومايكل برتون، بين ثلاثة أنماط رئيسية:
| النمط | سماته | أمثلة يذكرها الباحثون |
|---|---|---|
| نخب متوافقة متكاملة | تتعايش باحترام، وتتعاون لتحقيق غايات مشتركة رغم اختلاف أجنداتها | سويسرا وبريطانيا في الغالب |
| نخب متعددة متفاوتة الاندماج | اختلافات نسبية مع قدر من التعاون | إيطاليا مثلًا |
| نخب منقسمة منغلقة | كل نخبة منغلقة على نفسها بسبب انقسامات عرقية أو دينية أو طائفية | مجتمعات تعرف انقسامات حادة |
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن درجة التكامل بين النخب من أهم العوامل التي تفسر استقرار الدول أو اضطرابها. لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه التصنيفات تعميمات عامة، وأن أي دولة إذا دُرست بالتفصيل ستظهر فيها تباينات أكثر تعقيدًا.
ما لها وما عليها
يُحسب لنظرية النخبة أنها نبّهت إلى دور الأقلية المنظمة في صنع القرار، وقدمت أدوات منهجية لدراسة السلطة الفعلية لا الشكلية. وفي المقابل، انتقدها أصحاب «النظرية التعددية»، وفي مقدمتهم روبرت دال، ورأوا أن السلطة في المجتمعات الحديثة موزعة بين جماعات متعددة تتنافس فيما بينها، لا محتكرة في نخبة واحدة. كما أُخذ عليها أحيانًا أنها تقلل من شأن دور الجماهير والرأي العام في التأثير على القرار.
خاتمة
تقدم نظرية النخبة عدسة مهمة لفهم السياسة: أن نسأل دائمًا من يصنع القرار فعلًا، وكيف وصل إلى موقعه، وكيف تتعامل النخب مع بعضها. ولا يعني ذلك القبول بها بوصفها تفسيرًا وحيدًا للتاريخ، بل استعمالها إلى جانب نظريات أخرى كالتعددية والواقعية للوصول إلى فهم أعمق. اقرأ أيضًا «النظرية الواقعية» و«مفهوم الدولة»، وتابع دليل النظرية السياسية.
المراجع
- Mosca, G. (1896/1939). The Ruling Class (Elementi di scienza politica). Trans. H. D. Kahn. New York: McGraw-Hill.
- Pareto, V. (1916/1935). The Mind and Society (Trattato di sociologia generale). New York: Harcourt, Brace.
- Michels, R. (1911/1915). Political Parties. Trans. E. & C. Paul. New York: Hearst’s International Library.
- Mills, C. W. (1956). The Power Elite. Oxford University Press.
- Hunter, F. (1953). Community Power Structure. Chapel Hill: University of North Carolina Press.
- Dahl, R. A. (1961). Who Governs? Democracy and Power in an American City. Yale University Press.
- Higley, J., & Burton, M. (2006). Elite Foundations of Liberal Democracy. Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
- Etzioni, A. (1965). Political Unification. New York: Holt, Rinehart and Winston.


