حين يُذكر اسم المايا، تتبادر إلى الأذهان أهرامات حجرية شامخة وسط الغابات الاستوائية، وتقويم غامض قيل إنه تنبأ بنهاية العالم عام ٢٠١٢. لكن وراء هذه الصور الشائعة حضارة حقيقية بالغة الثراء، ازدهرت في أمريكا الوسطى أكثر من ألفي عام، وأنتجت واحدًا من أدق أنظمة التقويم في التاريخ القديم، ونظام كتابة متكاملًا، وفنًا ومعمارًا مدهشين. في هذا المقال نتعرف إلى حضارة المايا بعيدًا عن الأساطير: مراحلها، ومدنها، وإنجازاتها العلمية، وما يقوله العلماء عن أسباب انهيار مدنها الكبرى.
أولًا: أين ومتى ازدهرت حضارة المايا؟
امتدت أرض المايا على مساحة واسعة من أمريكا الوسطى، تشمل شبه جزيرة يوكاتان وجنوب المكسيك وغواتيمالا وبليز وأجزاء من هندوراس والسلفادور. ولم تكن المايا إمبراطورية موحدة، بل مجموعة من المدن الدول المستقلة التي تشترك في الثقافة والدين واللغة، وتتنافس فيما بينها وتتحالف وتتحارب.
| المرحلة | الفترة التقريبية | أبرز سماتها |
|---|---|---|
| العصر ما قبل الكلاسيكي | ٢٠٠٠ ق.م – ٢٥٠م | نشأة القرى الزراعية ثم المدن الأولى، ومن أكبرها إل ميرادور |
| العصر الكلاسيكي | ٢٥٠ – ٩٠٠م | ذروة الازدهار: تيكال، بالينكي، كوبان، كالاكمول، وانتشار الكتابة والنقوش المؤرخة |
| العصر ما بعد الكلاسيكي | ٩٠٠ – القرن السادس عشر | انتقال الثقل إلى شمال يوكاتان: تشيتشن إيتزا ثم مايابان |
ثانيًا: المدن الكبرى
كانت مدن المايا مراكز دينية وسياسية تضم معابد هرمية وقصورًا وساحات واسعة وملاعب للعبة الكرة الطقسية. ومن أشهرها تيكال في غواتيمالا، التي يُقدّر أن عدد سكانها ومحيطها بلغ عشرات الآلاف في ذروتها، وبالينكي في المكسيك المشهورة بقصرها ومعبد النقوش الذي اكتُشف فيه قبر الملك باكال، وكوبان في هندوراس بنقوشها الحجرية البديعة، وتشيتشن إيتزا في يوكاتان بهرمها الشهير الذي يرسم الضوء على درجه في الاعتدالين ما يشبه ثعبانًا هابطًا.
ثالثًا: التقويم… عبقرية حساب الزمن
من أعظم إنجازات المايا نظامهم في حساب الزمن، الذي يجمع بين عدة دورات متداخلة:
- التزولكين: تقويم طقسي من ٢٦٠ يومًا، يُستعمل في تحديد المناسبات الدينية.
- الهاب: تقويم شمسي من ٣٦٥ يومًا، يتألف من ١٨ شهرًا كل منها عشرون يومًا، تضاف إليها خمسة أيام.
- الدورة التقويمية: تتكرر كل ٥٢ عامًا حين يلتقي التقويمان السابقان من جديد.
- العد الطويل: نظام لحساب الأيام من تاريخ بدء أسطوري، يسمح بتأريخ الأحداث على مدى آلاف السنين.
أما ما شاع عن نهاية العالم عام ٢٠١٢، فقد كان سوء فهم لاكتمال دورة كبرى في العد الطويل. فبالنسبة للمايا كان ذلك مجرد بداية دورة جديدة، كما يبدأ عام جديد بعد انتهاء العام السابق، ولم يرد في نقوشهم ما يشير إلى نهاية العالم.
رابعًا: الفلك والرياضيات
كان علماء المايا فلكيين بارعين، رصدوا حركة الشمس والقمر والكواكب بدقة لافتة. ومن أشهر الشواهد على ذلك «مخطوطة دريسدن»، إحدى المخطوطات القليلة التي نجت من الإتلاف، وفيها جداول دقيقة لحركة كوكب الزهرة والتنبؤ بالكسوف. وفي الرياضيات استعملوا نظامًا عدديًا عشرينيًا، وعرفوا مفهوم الصفر ورمزوا له، وهو إنجاز لم تصل إليه حضارات قديمة كثيرة.
خامسًا: الكتابة… لغز فُك أخيرًا
طوّرت المايا نظام كتابة متكاملًا يجمع بين رموز تدل على كلمات كاملة ورموز تدل على مقاطع صوتية. وقد ظلت هذه الكتابة لغزًا قرونًا طويلة، حتى تمكن الباحث الروسي يوري كنوروزوف في خمسينيات القرن العشرين من إثبات طبيعتها الصوتية، ثم توالت جهود الباحثين حتى أصبح معظم النقوش مقروءًا اليوم. وكشفت هذه القراءة عن تاريخ سياسي حافل بأسماء الملوك وتواريخ تتويجهم وحروبهم وتحالفاتهم.
سادسًا: لماذا انهارت مدن المايا الكلاسيكية؟
بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، هُجرت كثير من مدن المايا الكبرى في الجنوب، وتوقف نقش النصوص المؤرخة. ويطرح الباحثون مجموعة من الأسباب المتضافرة:
- الجفاف: كشفت دراسات الرواسب في البحيرات عن فترات جفاف شديدة في تلك الحقبة، أثرت في زراعة الذرة التي يقوم عليها الغذاء.
- الحروب: تزايدت الصراعات بين المدن المتنافسة، كما تشهد النقوش والتحصينات.
- الضغط على الموارد: أدى تزايد السكان وإزالة الغابات إلى إجهاد البيئة.
- أزمة السلطة: فقد الملوك الذين ارتبطت شرعيتهم بالقدرة على ضمان المطر والرخاء مكانتهم حين عجزوا عن ذلك.
ويؤكد الباحثون أن ما حدث لم يكن «اختفاءً» للمايا، بل انهيارًا لنمط سياسي معين في الجنوب، مع استمرار الحياة في الشمال قرونًا بعدها، حتى وصول الإسبان. ولا تزال شعوب المايا حاضرة اليوم، ويتحدث ملايين الناس في المكسيك وغواتيمالا لغات مايانية حتى الآن.
خاتمة
حضارة المايا ليست لغزًا غامضًا كما تصورها بعض الأفلام والكتب الشعبية، بل حضارة إنسانية عظيمة، بلغت مستوى رفيعًا في الفلك والرياضيات والكتابة والعمارة، وواجهت تحديات بيئية وسياسية أدت إلى تراجع مدنها الكبرى. ودراستها تقدم لنا درسًا مهمًا عن العلاقة بين الإنسان وبيئته، وعن هشاشة الحضارات أمام تقلبات المناخ والصراعات. للمزيد، اقرأ «أسرار حضارات أمريكا اللاتينية: الإنكا والمايا والأزتك» و«تاريخ أمريكا اللاتينية: من الغزو إلى الاستقلال»، وتابع دليل أمريكا اللاتينية.
المراجع
- Coe, M. D., & Houston, S. (2015). The Maya (9th ed.). London: Thames & Hudson.
- Coe, M. D. (1992). Breaking the Maya Code. London: Thames & Hudson.
- Sharer, R. J., & Traxler, L. P. (2006). The Ancient Maya (6th ed.). Stanford University Press.
- Martin, S., & Grube, N. (2000). Chronicle of the Maya Kings and Queens. London: Thames & Hudson.
- Hodell, D. A., Curtis, J. H., & Brenner, M. (1995). “Possible role of climate in the collapse of Classic Maya civilization”. Nature, 375, 391–394.
- Demarest, A. (2004). Ancient Maya: The Rise and Fall of a Rainforest Civilization. Cambridge University Press.


