لا يمكن فهم أمريكا اللاتينية اليوم، بلغاتها وأديانها وتركيبتها السكانية وحدودها السياسية، دون العودة إلى ثلاثة قرون حاسمة امتدت من وصول سفن كريستوفر كولومبوس عام ١٤٩٢ إلى معركة أياكوتشو عام ١٨٢٤. ففي هذه الفترة سقطت إمبراطوريات عريقة، ونشأ نظام استعماري واسع، وتشكّل مجتمع جديد هجين من السكان الأصليين والأوروبيين والأفارقة، ثم انفجرت حروب استقلال غيّرت خريطة القارة. في هذا المقال نعرض هذه الرحلة الطويلة في مراحلها الكبرى، ونتوقف عند الأسباب والنتائج التي ما زال أثرها حاضرًا حتى اليوم.
أولًا: اللقاء الأول وتقسيم العالم الجديد
حين وصل كولومبوس إلى جزر الكاريبي عام ١٤٩٢ كان يظن أنه بلغ الهند، ومن هنا جاءت تسمية «جزر الهند الغربية» و«الهنود» للسكان الأصليين. وسرعان ما دخلت إسبانيا والبرتغال، القوتان البحريتان الكبريان في ذلك الوقت، في تنافس على الأراضي الجديدة، فحُسم الأمر بمعاهدة تورديسياس عام ١٤٩٤، التي قسمت العالم غير الأوروبي بينهما بخط وهمي يمر عبر المحيط الأطلسي. ولهذا السبب بالذات تتحدث البرازيل اليوم البرتغالية، بينما تتحدث معظم دول القارة الإسبانية؛ فقد وصل بيدرو ألفاريس كابرال إلى سواحل البرازيل عام ١٥٠٠ ضمن الجزء الذي أعطته المعاهدة للبرتغال.
ثانيًا: سقوط الإمبراطوريات الكبرى
كانت القارة قبل وصول الأوروبيين موطنًا لحضارات متقدمة، أبرزها الأزتك في وسط المكسيك، والإنكا في جبال الأنديز، إلى جانب مدن المايا في أمريكا الوسطى. وقد تحدثنا عنها بالتفصيل في مقال «أسرار حضارات أمريكا اللاتينية».
بين عامي ١٥١٩ و١٥٢١ قاد هيرنان كورتيس حملة انتهت بسقوط تينوتشتيتلان، عاصمة الأزتك. وبعد عقد واحد، بين ١٥٣٢ و١٥٣٣، أسقط فرانسيسكو بيزارو إمبراطورية الإنكا بعد أسر حاكمها أتاوالبا. ويتساءل كثيرون: كيف استطاعت مجموعات صغيرة من الجنود إسقاط إمبراطوريات بملايين السكان؟ ويجمع المؤرخون على أن الأسلحة النارية والخيول لم تكن العامل الوحيد، بل كان للأوبئة كالجدري، التي حصدت أعدادًا هائلة من السكان الأصليين، دور حاسم، إلى جانب تحالف الإسبان مع شعوب محلية كانت ناقمة على حكم الأزتك والإنكا، والانقسامات الداخلية التي كانت تمر بها الإمبراطوريتان.
ثالثًا: ثلاثة قرون من الحكم الاستعماري
نظام نواب الملك
نظّمت إسبانيا مستعمراتها الواسعة في وحدات إدارية كبرى يحكمها «نائب الملك»، ويشرف عليها من مدريد «مجلس الهند». فأُنشئت نيابة إسبانيا الجديدة (المكسيك) عام ١٥٣٥، ونيابة بيرو عام ١٥٤٢، ثم أُضيفت في القرن الثامن عشر نيابتا غرناطة الجديدة وريو دي لا بلاتا.
الاقتصاد والعمل
قام الاقتصاد الاستعماري على استخراج المعادن الثمينة، وفي مقدمتها فضة جبل بوتوسي في بوليفيا الحالية، التي غذّت خزائن إسبانيا والاقتصاد العالمي لعقود طويلة. واعتمد هذا الاقتصاد على أنظمة عمل قاسية، مثل نظام «الإنكوميندا» الذي منح المستعمرين حق تشغيل السكان الأصليين، ونظام «الميتا» للعمل الإجباري في المناجم. كما جُلب ملايين الأفارقة المستعبدين للعمل في مزارع السكر، خاصة في البرازيل وجزر الكاريبي.
المجتمع الجديد
نشأ عن هذا اللقاء مجتمع هرمي معقد: في قمته الإسبان المولودون في أوروبا، ثم «الكريولو» أي المنحدرون من أصل إسباني المولودون في الأمريكتين، ثم «المستيزو» من أصول مختلطة، ثم السكان الأصليون والأفارقة. وقد لعبت الكنيسة الكاثوليكية دورًا محوريًا في التعليم والحياة الاجتماعية، وتشكّل تحت مظلتها مشهد ديني متنوع، عرضناه في مقال «الأديان في أمريكا اللاتينية».
رابعًا: لماذا اشتعلت حروب الاستقلال؟
تضافرت عوامل عدة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر لتدفع نحو الاستقلال. فقد شعر الكريولو بالتهميش، إذ كانت المناصب العليا محجوزة لمن وُلدوا في إسبانيا، رغم ثروتهم وتعليمهم. وزادت «الإصلاحات البوربونية» في القرن الثامن عشر، التي شددت قبضة مدريد وزادت الضرائب، من حدة السخط، وشهدت بيرو انتفاضة كبرى قادها توباك أمارو الثاني بين ١٧٨٠ و١٧٨١. وانتشرت في الوقت نفسه أفكار التنوير، وجاءت الثورة الأمريكية (١٧٧٦) والثورة الفرنسية (١٧٨٩) نموذجين ملهمين، ثم استقلت هايتي عام ١٨٠٤ لتصبح أول دولة مستقلة في أمريكا اللاتينية.
أما الشرارة الحاسمة فجاءت من أوروبا: ففي عام ١٨٠٨ غزا نابليون إسبانيا وأجبر ملكها على التنازل عن العرش، فوجدت المستعمرات نفسها بلا سلطة شرعية واضحة، وبدأت المجالس المحلية منذ ١٨١٠ في إدارة شؤونها بنفسها، وهي الخطوة الأولى نحو الاستقلال.
خامسًا: المحرِّران… بوليفار وسان مارتين
شهد شمال أمريكا الجنوبية حملات سيمون بوليفار، الذي لُقّب بـ«المحرِّر»، فانتصر في معركة بوياكا عام ١٨١٩ وكارابوبو عام ١٨٢١، وأسس جمهورية «كولومبيا الكبرى» التي ضمت كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبنما الحالية. وفي الجنوب قاد خوسيه دي سان مارتين عبورًا تاريخيًا لجبال الأنديز عام ١٨١٧، وأسهم في استقلال الأرجنتين (١٨١٦) وتشيلي (١٨١٨)، ثم أعلن استقلال بيرو عام ١٨٢١. وجاءت معركة أياكوتشو عام ١٨٢٤، بقيادة أنطونيو خوسيه دي سوكري، لتحسم مصير الحكم الإسباني في أمريكا الجنوبية.
وفي المكسيك أطلق الكاهن ميغيل هيدالغو عام ١٨١٠ ما عُرف بـ«صرخة دولوريس»، وبعد سنوات من الصراع نالت المكسيك استقلالها عام ١٨٢١. أما البرازيل فكان طريقها مختلفًا: فقد انتقلت الأسرة المالكة البرتغالية إليها هربًا من نابليون، ثم أعلن الأمير بيدرو استقلالها عام ١٨٢٢ وأصبح إمبراطورًا، فاستقلت البرازيل دون حرب طويلة.
جدول زمني: أهم المحطات
| العام | الحدث |
|---|---|
| ١٤٩٢ | وصول كولومبوس إلى الكاريبي |
| ١٤٩٤ | معاهدة تورديسياس بين إسبانيا والبرتغال |
| ١٥٢١ | سقوط تينوتشتيتلان عاصمة الأزتك |
| ١٥٣٣ | سقوط إمبراطورية الإنكا |
| ١٧٨٠–١٧٨١ | انتفاضة توباك أمارو الثاني في بيرو |
| ١٨٠٤ | استقلال هايتي |
| ١٨٠٨–١٨١٠ | غزو نابليون لإسبانيا وبداية المجالس المحلية |
| ١٨٢١ | استقلال المكسيك وانتصار كارابوبو |
| ١٨٢٢ | استقلال البرازيل |
| ١٨٢٤ | معركة أياكوتشو الحاسمة |
سادسًا: ما بعد الاستقلال… الحلم والواقع
لم يتحقق حلم بوليفار بوحدة القارة، فقد تفككت كولومبيا الكبرى بعد وفاته عام ١٨٣٠، وانقسمت المنطقة إلى دول عديدة. وعرفت كثير من هذه الدول في القرن التاسع عشر صراعات داخلية وظاهرة «الكاوديو»، أي الزعماء العسكريين المحليين. كما بقيت البنية الاجتماعية الموروثة من العهد الاستعماري، من تفاوت في ملكية الأرض وتراتبية اجتماعية، حاضرة لفترة طويلة، وهو ما سيشغل مفكري القارة لاحقًا، ومنهم أصحاب «نظرية التبعية» الذين سنخصص لهم مقالًا مستقلًا.
خاتمة
ثلاثة قرون من التاريخ صنعت أمريكا اللاتينية كما نعرفها: لغاتها الإسبانية والبرتغالية، ودينها الكاثوليكي الغالب مع تنوع كبير، ومجتمعاتها المختلطة الغنية بالثقافات، وحدودها السياسية الحالية. وفهم هذه المرحلة هو المفتاح لفهم كثير من قضايا القارة المعاصرة، من الهوية إلى التنمية. وهي أيضًا قصة تحمل دروسًا إنسانية عامة عن لقاء الحضارات وصدامها، وعن الثمن الذي تدفعه الشعوب في طريقها إلى الاستقلال. تابع المزيد في دليل أمريكا اللاتينية على الموقع.
المراجع
- Bethell, L. (Ed.). (1984–1985). The Cambridge History of Latin America, Vols. I–III. Cambridge University Press.
- Lynch, J. (1986). The Spanish American Revolutions, 1808–1826 (2nd ed.). New York: W. W. Norton.
- Elliott, J. H. (2006). Empires of the Atlantic World: Britain and Spain in America, 1492–1830. Yale University Press.
- Skidmore, T. E., Smith, P. H., & Green, J. N. (2014). Modern Latin America (8th ed.). Oxford University Press.
- Lynch, J. (2006). Simón Bolívar: A Life. Yale University Press.
- Galeano, E. (1971). Las venas abiertas de América Latina. México: Siglo XXI.


