محمد سلطان

بين الروحي والنفسي: رينيه جينو وخلط الشعائر والتأثير النفسي للموسيقى

يقوم جزء كبير من فكر رينيه جينو على تمييز دقيق قد يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه عميق الأثر: التمييز بين ما هو «روحي» وما هو «نفسي». فكثير من التجارب التي يصفها الناس بأنها روحية، كالشعور بالنشوة أو الانفعال الشديد أو الإحساس بالسكينة المؤقتة، هي في نظره تجارب نفسية لا تتجاوز حدود النفس الإنسانية، وقد تكون أحيانًا عائقًا عن التحقق الروحي الحقيقي. ومن هذا المنطلق نفهم موقفين له وردا في رسائله: تحذيره الشديد من خلط الشعائر بين الأديان والمذاهب، وتحذيره من الإفراط في الإيقاعات والموسيقى في الممارسة الروحية.

باختصار: يرى جينو أن لكل دين وطريق روحي شعائره المتكاملة التي لا يصح خلطها بغيرها، وأن هذا الخلط ليس محرّمًا فحسب، بل خطير على الإنسان روحيًا ونفسيًا وبدنيًا. ويقرّ بأن للإيقاع أثرًا نفسيًا حقيقيًا، لكنه يحذر من أن الانغماس فيه قد يحبس الإنسان في البُعد النفسي، فيظن أنه ارتقى روحيًا وهو لم يغادر مكانه.

أولًا: التمييز الأساسي… الروحي غير النفسي

خصّص جينو لهذه المسألة فصلًا كاملًا في كتابه «هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان» (١٩٤٥) بعنوان «الخلط بين النفسي والروحي». ويرى فيه أن من أخطر أمراض العصر الحديث أن الناس صاروا يسمّون كل ما هو غير مادي «روحيًا»، فيخلطون بين الانفعالات والأحوال النفسية من جهة، والمعرفة الروحية المتصلة بالمبادئ العليا من جهة أخرى. فالنفس عنده مستوى وسيط بين الجسد والروح، وما يجري فيه من أحوال قد يكون قويًا ومؤثرًا، لكنه يبقى في دائرة المتغير والفردي، ولا يرقى بالضرورة إلى مستوى الحقيقة الثابتة.

ولهذا التمييز نتائج عملية مهمة: فليست كل تجربة مؤثرة دليلًا على الترقي، وليس كل ما يثير المشاعر طريقًا إلى الله. والمعيار ليس شدة الأثر، بل اتصاله بالأصل الصحيح وانضباطه بالشريعة.

ثانيًا: لماذا حذّر جينو من خلط الشعائر؟

مع كامل اتفاق الشيخ عبد الواحد يحيى وتأكيده على وجود بقايا من نور النبوة في التقاليد الروحية المختلفة، فإنه كان يحذّر تحذيرًا شديدًا من خلط الممارسات العقدية والعبادات والشعائر بين دين وآخر، أو حتى بين مذهب روحي ومذهب روحي آخر. ولم يقتصر في ذلك على القول بأن هذا الخلط لا يجوز، وهو موقف طبيعي من رجل ملتزم بالشريعة منتسب إلى الطريقة الشاذلية، بل ذهب إلى أن له تداعيات خطيرة جدًا على الإنسان روحيًا ونفسيًا وبدنيًا، وأنه قد يؤذي صاحبه ويضره ضررًا بالغًا.

ويستند هذا الموقف إلى تمييز آخر وضعه جينو في أكثر من موضع من كتبه، ومنها مقدمة كتابه «رمزية الصليب»، وهو التمييز بين «التركيب» و«التوفيقية». فالتركيب الحقيقي عنده فهمٌ ينطلق من المبادئ العليا ليرى وحدة المعنى وراء تنوع الأشكال، مع احترام كل شكل في سياقه. أما التوفيقية فهي جمعٌ سطحي لعناصر متفرقة من أديان مختلفة، ولصقُ بعضها ببعض دون فهم لأصولها، وهي عنده من علامات التفكير الحديث المضطرب. فكل شعيرة جزء من منظومة متكاملة لها منطقها الداخلي، وإخراجها من منظومتها وخلطها بغيرها يفقدها معناها ويحوّلها إلى ممارسة نفسية فارغة، وقد يفتح الباب لتأثيرات غير محمودة.

ثالثًا: الموسيقى والإيقاع… أثر نفسي لا يُنكر وخطر لا يُهمل

في مجموعة من رسائله، منها ما كتبه في فبراير ومارس ١٩٣٦، ثم في أكتوبر من العام التالي، تناول جينو مسألة الموسيقى والإيقاعات وأثرها في الممارسة الروحية. وكان موقفه متوازنًا لا ينكر ولا يبالغ: فهو يقرّ بأن الإيقاع والمواد الموسيقية لها بالتأكيد تأثير في وجدان الإنسان، وأن هذا التأثير حقيقي يمكن تفسيره تفسيرًا نفسيًا. لكنه حذّر من الانفعال والانخراط الزائد في هذه الأمور، لأن ذلك قد يجعل الإنسان أسيرًا للتأثيرات النفسية والوجد النفسي، فيبتعد عن التحقق الروحي بدل أن يقترب منه.

بل قد تكون النتيجة، في رأيه، ألّا يتجاوز الإنسان البُعد النفسي أبدًا، فيبقى يعيش فيه ظانًّا أنه يرتقي. فهو يريح نفسه ويشعر بالانفراج، لكنه روحيًا لم يحقق شيئًا. ولهذا انتقد جينو الاستخدام المبالغ فيه للطبول والإيقاعات، وذكر أن بعض الحضارات القديمة عرفت مثل هذه الممارسات، وأشار إلى ممارسات خاطئة رأى أن سلبياتها أكثر من إيجابياتها.

رابعًا: موقف جينو في ضوء التراث الإسلامي

لا يأتي موقف جينو من فراغ، بل يلتقي مع نقاش قديم في التراث الإسلامي حول «السماع». فقد خصّص الإمام أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» كتابًا كاملًا بعنوان «كتاب آداب السماع والوجد»، فصّل فيه أحكام السماع وأحواله، وميّز بين ما يكون منه محمودًا يحرّك القلب إلى الخير، وما يكون مذمومًا يثير الهوى ويشغل عن الله، وجعل الحكم مرتبطًا بحال السامع ومضمون المسموع وآدابه.

المسألةرينيه جينوالإمام الغزالي
أثر الصوت والإيقاعأثر نفسي حقيقي لا يُنكريحرّك ما في القلب ولا يُحدث فيه ما ليس فيه
موضع الخطرالانغماس الذي يحبس الإنسان في البُعد النفسيالسماع الذي يثير الهوى ويشغل عن الله
المعيارالاتصال بالأصل الصحيح وانضباط الممارسةحال السامع ومضمون المسموع وآدابه

ويتضح من هذه المقارنة أن الرجلين، على اختلاف العصر والسياق، يلتقيان في جوهر الموقف: الحذر من أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يُستبدل الانفعال العابر بالتحقق الحقيقي.

خاتمة

يقدّم جينو في هذين الموقفين درسًا واحدًا بوجهين: أن الروحانية الحقيقية تحتاج إلى أصل صحيح وإطار متكامل، وأن ما يثير النفس ليس بالضرورة ما يرقى بالروح. فخلط الشعائر يهدم الإطار، والإفراط في الإيقاع قد يحبس الإنسان في نفسه. وهي رسالة تبدو اليوم شديدة الراهنية، في عالم تُباع فيه «التجارب الروحية» السريعة، ويُخلط فيه بين الراحة النفسية والتحقق الروحي.

اقرأ أيضًا «رينيه جينو والشريعة» و«الولاية والنبوة والطرق الصوفية عند رينيه جينو»، وتابع الدليل الكامل في دليل رينيه جينو على الموقع.

المراجع

  • Guénon, R. (1945). Le Règne de la quantité et les signes des temps. Paris: Gallimard. (فصل: «La confusion du psychique et du spirituel»).
  • Guénon, R. (1931). Le Symbolisme de la croix. Paris: Véga.
  • Guénon, R. (1946). Aperçus sur l’initiation. Paris: Éditions Traditionnelles.
  • الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد.
  • عبد الحليم محمود. الفيلسوف المسلم عبد الواحد يحيى (رينيه جينو). القاهرة: دار المعارف.
  • Sedgwick, M. (2004). Against the Modern World. Oxford University Press.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *