محمد سلطان

الولاية والنبوة والطرق الصوفية عند رينيه جينو: بين الأصيل والمنحرف

من القضايا التي شغلت قراء التصوف قديمًا وحديثًا سؤالُ المفاضلة بين الولاية والنبوة، وسؤالُ التمييز بين الطرق الصوفية الأصيلة وتلك التي تدّعي النسبة إلى التراث الروحي وهي بعيدة عنه. وقد كان لرينيه جينو، أو الشيخ عبد الواحد يحيى كما عُرف في القاهرة، رأي واضح في المسألتين، عبّر عنه في رسائله إلى قرائه في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وفي عدد من كتبه. ويكشف هذا الرأي جانبًا مهمًا من شخصيته الفكرية: فهو، على اهتمامه الواسع بالتراث الروحي للبشرية، لم يكن يسوّي بين كل ما يُنسب إلى الروحانية، بل كان شديد الحرص على المعايير والضوابط.

باختصار: يرى جينو أن النبي أعلى درجة من الولي بلا شك، لأن كل نبي وليٌّ في الأصل ثم زِيد تشريف النبوة. ويحذّر من طرق تدّعي الإرث الروحي وروحها «حديثة» في حقيقتها. وإيمانه بوحدة الأصل الروحي للأديان لم يجعله يسوّي بين المدارس جميعًا، بل اختار لنفسه طريقًا كاملًا متكاملًا هو الطريقة الشاذلية في الإسلام.

أولًا: هل الولي أعلى من النبي؟

في رسالة تعود إلى منتصف الأربعينيات تقريبًا، تناول الشيخ عبد الواحد يحيى هذا السؤال وأجاب عنه بحسم: مما لا شك فيه أن الرسول أو النبي أعلى درجة من الولي. وعلّل ذلك بأن كل نبي وكل رسول هو في ذاته وليٌّ أصلًا، قد اكتملت عنده درجة الولاية، ثم أُضيف إليها تشريف آخر وبركة أخرى هي تشريف النبوة أو الرسالة. فالنبوة إذن ليست مقابلة للولاية حتى يُفاضَل بينهما مفاضلة الندّ للندّ، بل هي ولاية وزيادة.

ويتفق هذا الجواب مع ما استقر عليه أهل السنة والجماعة، وقد عبّر عنه الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة بقوله: «ولا نفضّل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول: نبيٌّ واحد أفضل من جميع الأولياء». وهي عقيدة يُدرّسها الأزهر الشريف منذ قرون، ويتلقاها طلابه بالقبول.

من أين جاء الالتباس؟

نشأ الالتباس في هذه المسألة من عبارات منسوبة إلى بعض كبار الصوفية، وفي مقدمتهم الشيخ محيي الدين بن عربي، فُهمت على غير وجهها. وقد بيّن الباحثون المتخصصون، ومنهم ميشيل شودكيفيتش في دراسته المعروفة «ختم الأولياء»، أن المقصود في تلك العبارات هو المقارنة بين جانبين في الشخص الواحد، أي بين جانب الولاية في النبي نفسه وجانب التشريع في رسالته، لا تفضيل وليٍّ من الأولياء على نبيٍّ من الأنبياء. ورسالة جينو تأتي في السياق نفسه لتقطع الطريق على هذا الفهم الخاطئ.

ثانيًا: الطرق الصوفية المنحرفة… حين تكون الروح «حديثة»

في رسالة مؤرخة في السابع والعشرين من يونيو ١٩٣٦، تحدث جينو عن طريقة بعينها، وحذّر بشدة من ممارساتها. وكان وصفه لها دقيقًا: إنها تدّعي أنها ذات إرث ونور إلهي وتراث متناقل، لكن روحها في الحقيقة روح «حديثة». ويكتسب هذا الوصف معناه الكامل حين نتذكر أن جينو قضى عمره في نقد الحداثة بوصفها انقطاعًا عن المبادئ العليا، فإذا اتصفت طريقة صوفية بروح حديثة، فمعنى ذلك أنها فقدت جوهرها وإن احتفظت بالأسماء والمظاهر.

وقد فصّل جينو هذه الفكرة في كتابه «هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان» (١٩٤٥)، حين تحدث عما سماه «التلقين الزائف»، أي الحركات التي تقلّد أشكال الطرق الروحية الأصيلة دون أن تحمل حقيقتها أو تتصل بسندها. ورأى أن خطر هذه الحركات أكبر من خطر الإنكار الصريح للدين، لأنها تخدع الباحث الصادق عن الروحانية، فتأخذه إلى طريق لا يوصل.

ثالثًا: معايير التمييز بين الأصيل والمنحرف

يمكن أن نستخلص من كتابات جينو ورسائله مجموعة من المعايير التي كان يعتمدها في الحكم على أي طريق روحي:

المعيارالطريق الأصيلالطريق المنحرف
السندمتصل بسلسلة منتظمة من الشيوخمنقطع، أو مُدّعى بلا أصل
الشريعةالالتزام الكامل بها أساسٌ لا يُتجاوزالتساهل فيها أو إسقاطها بدعوى الحقيقة
الغايةالتحقق الروحي ومعرفة الحقالإثارة النفسية والبحث عن الظواهر الخارقة
الروح العامةروح تقليدية متصلة بالمبادئروح حديثة فردية وإن لبست ثوب التراث

رابعًا: وحدة الأصل لا تعني المساواة بين الجميع

قد يتساءل القارئ: أليس جينو هو صاحب فكرة وحدة التراث الروحي، أي وجود حقيقة واحدة متجاوزة تقف وراء الرسالات السماوية والمدارس الروحية الكبرى؟ فكيف يحذّر من بعض الطرق ويرفضها؟ والجواب أن جينو، مع إقراره بوجود بقايا من النور الإلهي في التقاليد الروحية المختلفة، لم يكن يساوي بينها جميعًا، ولم يكن يرى أن كل ما يُسمى «روحانيًا» يستحق هذا الوصف.

بل إن اختياره الشخصي أوضح دليل على ذلك. فحين أراد أن يسلك طريقًا روحيًا، لم يصنع لنفسه خليطًا من الأديان والمذاهب، بل دخل الإسلام، والتزم شريعته، وانتسب إلى الطريقة الشاذلية، وعاش حياته كلها على هذا الاختيار. وكان التصنيف والتمييز عنده واضحين، بغض النظر عمّا ذهب إليه بعض من تواصلوا معه أو تأثروا بكتبه. ولم يكن من طبعه أن يجامل في أمر يرى فيه باطلًا، وإن كان لا يُرغم أحدًا على رأيه.

خامسًا: قراءة أزهرية منصفة

تتلاقى هذه المواقف مع المنهج الذي عرفه الأزهر الشريف في التعامل مع التصوف: قبولٌ للتصوف السني المنضبط بالكتاب والسنة، القائم على التزكية والأخلاق، وتحذيرٌ في الوقت نفسه من البدع والانحرافات التي قد تتسلل إلى بعض الطرق. ولعل هذا ما جعل الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، وهو من أعلام التصوف السني في القرن العشرين، يحتفي بجينو ويخصّه بكتاب كامل.

خاتمة

تكشف آراء جينو في الولاية والنبوة وفي الطرق المنحرفة عن عقلٍ يجمع بين سعة الأفق والحرص على الضوابط. فهو يقرّ بأن النبوة أعلى مقامًا من الولاية، ويحذّر من الطرق التي تحمل روح الحداثة تحت ثوب التراث، ويضع للتمييز بين الأصيل والزائف معايير واضحة أساسها السند والشريعة وصدق الغاية. وهي معايير لا تزال نافعة لكل باحث عن الطريق الروحي في زمن كثرت فيه الدعاوى وقلّت فيه الضوابط.

اقرأ أيضًا مقال «رينيه جينو والشريعة»، وتابع المزيد في دليل رينيه جينو على الموقع.

المراجع

  • Guénon, R. (1945). Le Règne de la quantité et les signes des temps. Paris: Gallimard.
  • Guénon, R. (1946). Aperçus sur l’initiation. Paris: Éditions Traditionnelles.
  • Guénon, R. (1952). Initiation et réalisation spirituelle. Paris: Éditions Traditionnelles.
  • Chodkiewicz, M. (1986). Le Sceau des saints: prophétie et sainteté dans la doctrine d’Ibn Arabî. Paris: Gallimard.
  • الطحاوي، أبو جعفر. العقيدة الطحاوية.
  • عبد الحليم محمود. الفيلسوف المسلم عبد الواحد يحيى (رينيه جينو). القاهرة: دار المعارف.
  • Sedgwick, M. (2004). Against the Modern World. Oxford University Press.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *