محمد سلطان

هل كان رينيه جينو داعيًا إلى وحدة الأديان؟ قراءة في رسائله الشخصية

تُثار حول رينيه جينو، أو الشيخ عبد الواحد يحيى، اتهامات كثيرة يتداولها بعض الكتّاب في الغرب، وينقلها عنهم آخرون في العالم العربي دون تمحيص. فيُقال إنه كان من دعاة «وحدة الأديان» الذين يرون أن الطرق كلها سواء، وإنه كان يقول بالحلول، أي حلول الحق سبحانه في الأشياء، وإن إسلامه كان مجرد غطاء لممارسات باطنية بعيدة عن الدين، أو تحوّلًا مفاجئًا حدث حين جاء إلى مصر. والطريف أن الرد على هذه الاتهامات لا يحتاج إلى اجتهاد كبير، فهو موجود في كلام الرجل نفسه: في رسائله الشخصية التي نُشرت باللغة الفرنسية، والتي لا يتحدث عنها كثيرون. في هذا المقال نعرض هذه الاتهامات واحدًا واحدًا، ونقابلها بما ورد في رسائله وكتبه.

باختصار: رسائل جينو تُظهر أنه رفض الحلولية ووحدة الأديان بالمعنى الشائع رفضًا صريحًا، وفرّق بين الحق المتعالي وتجلياته في العالم. واهتمامه بالإسلام بدأ قبل مجيئه إلى مصر بنحو عشرين عامًا. وفي القاهرة عاش مسلمًا ملتزمًا يصلي الفجر في مسجد سيدنا الحسين ويشارك في مجالس الذكر وقراءة القرآن.

الاتهام الأول: هل كان جينو حلوليًا؟

الحلولية، أو ما يُعرف في الفلسفة الغربية بـ«البانثيزم» (Pantheism)، هي القول بأن الله والعالم شيء واحد، أو أن الحق حالٌّ في الأشياء متحدٌ بها. وهي فكرة رفضها علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، ويقرر الأزهر الشريف في تعليمه العقدي تنزيه الله تعالى عن الحلول والاتحاد.

وفي رسالة بعث بها جينو في الخامس عشر من يناير ١٩٣٥ إلى أحد مراسليه، الذي يشير إليه بالحرفين الأولين من اسمه، يرفض هذه الفكرة رفضًا صريحًا، ويبرر رفضه تبريرًا فلسفيًا دقيقًا: إن الحلولية تحصر الحقيقة في العالم المتجلي، أي في العالم الظاهر، وهذا في حد ذاته يناقض فكرة وجود مبدأ متعالٍ على المادة، أو مستوى من المعرفة والوعي أعلى من عالم المادة والحواس. فالحلولية بهذا المعنى تُلغي خضوع العالم لمبدأ متعالٍ عليه، وهذا بالضبط هو جوهر ما قضى جينو حياته في نقده لدى الحضارة الحديثة.

ولم يكن هذا الموقف جديدًا في رسائله؛ فقد ردّ في كتابه «الإنسان ومصيره وفق الفيدانتا» (١٩٢٥) على من وصفوا بعض المذاهب الشرقية بالحلولية، وأكد أن هذا الوصف فهمٌ غربي خاطئ لها.

الاتهام الثاني: هل الكون هو التجلي الكامل للحقيقة؟

يرتبط بالاتهام السابق سؤال آخر: هل كان جينو يرى أن النور الإلهي موجود في كل الأشياء حولنا بكامل أبعاده وصفاته، بحيث يكون الكون هو الحقيقة نفسها؟ والجواب من رسائله أيضًا بالنفي. فهو يفرّق تفريقًا جوهريًا بين «الذات» الثابتة المتعالية، وبين الكائن الفردي المتجلي، ويتحدث عن مراتب للتجلي: تجليات صورية وتجليات غير صورية.

وبعبارة أبسط: الحقيقة عند جينو لا تساوي الكون المشاهَد، لأن للتجلي مراتب ميتافيزيقية، والأمور الميتافيزيقية بطبيعتها متجاوزة للمادة، أي متجاوزة لكل ما يمكن أن ندركه بالحواس. وقد فصّل هذه المراتب في كتابه «تعدد أحوال الوجود» (١٩٣٢). ويرى أن هذه بالضبط هي مشكلة العالم الغربي الحديث: أنه يتحدث عن «الحقائق» وكأنها مجرد قياس لعالم المادة.

الاتهام الثالث: هل كان إسلامه تحوّلًا مفاجئًا في مصر؟

يصوّر بعض الكتّاب جينو كأنه كان باطنيًا مولعًا بالمذاهب الهندية، ثم تحوّل فجأة إلى الإسلام والتصوف حين جاء إلى مصر عام ١٩٣٠. وهذا مخالف للوقائع الموثقة. فاهتمامه بالإسلام يعود إلى عام ١٩١٢ تقريبًا، بل هناك إشارات إلى مراسلات تعود إلى ١٩١١ بينه وبين الشيخ عبد الرحمن عليش الكبير، شيخ المالكية في عصره. ومن أوضح الأدلة على هذه الصلة القديمة أنه أهدى كتابه «رمزية الصليب» (١٩٣١) إلى ذكرى هذا الشيخ.

وقد وردت تفاصيل عن هذه المرحلة في مراسلاته مع عدد من الأشخاص، نُشرت ضمن الرسائل الكثيرة التي كان يبعث بها إلى قرائه في أنحاء العالم. والصورة التي ترسمها هذه الوثائق هي صورة رحلة فكرية وروحية متدرجة امتدت عقدين قبل أن يستقر في القاهرة، لا قفزة مفاجئة.

الاتهام الرابع: هل كان الإسلام عنده مجرد غطاء؟

أخطر الاتهامات وأبعدها عن الحقيقة أن الإسلام كان عند جينو مجرد ستار يختفي خلفه ليمارس طقوسًا باطنية غنوصية بعيدة عن الدين. وتردّ على ذلك رسائله في يناير ١٩٣٥ ومارس ١٩٣٦، التي يؤكد فيها أن الالتزام الكامل بالشريعة، عبادات ومعاملات، جزء لا ينفصل عن الطريق الروحي، وأنه لا ترقي بدونه. وقد فصّلنا هذا الموقف في مقال «رينيه جينو والشريعة».

وفي رسالة أخرى سُئل: هل يمكن لمن دخل الإسلام وسلك طريق التصوف وشعر بالترقي الروحي أن يترك الإسلام ويكتفي بطريقه الروحي؟ فكان جوابه قاطعًا بالرفض. ويشرح جينو أن في المعتقدات المختلفة بقايا من الفطرة ونور النبوة، لأن كل أمة جاءها رسول بلسان قومها، ولذلك قد يجد الباحث في الأديان أمورًا مشتركة وإن اختلفت الشرائع. لكن الإقرار بهذه البقايا شيء، وأخذ ما يشاء الإنسان من كل دين على مزاجه شيء آخر تمامًا، وهو ما حذّر منه بشدة.

صورة من حياته اليومية في القاهرة

من أصدق ما يرد على هذه الاتهامات شهادات من عاشوا قريبًا منه. فقد روى من عرفوه في القاهرة أنه كان يستيقظ مبكرًا، فيتناول إفطارًا بسيطًا، ثم يذهب لصلاة الفجر في مسجد سيدنا الحسين، ويصلي فيه الصلوات. وكان يميل إلى العزلة في عامة وقته، إلا في أوقات الصلاة ومجالس الذكر وقراءة القرآن، فكان يخرج ليشارك الناس فيها. فالرجل في عالم الشريعة والظاهر كان مؤمنًا بها ممارسًا لها في تفاصيل حياته كلها.

جدول: الاتهامات وما تقوله الرسائل

الاتهامما تقوله رسائله وكتبه
الحلولية ووحدة الأديانرفضٌ صريح في رسالة ١٥ يناير ١٩٣٥، لأنها تنفي المبدأ المتعالي على المادة
الكون هو الحقيقةتمييز بين الذات المتعالية ومراتب التجلي («تعدد أحوال الوجود»)
إسلام مفاجئ في مصراهتمام بالإسلام منذ ١٩١١–١٩١٢، وإهداء «رمزية الصليب» للشيخ عليش
الإسلام غطاء لممارسات أخرىإلزام كامل بالشريعة، وتحذير من خلط الشعائر، وحياة عملية ملتزمة

لماذا انتشرت هذه الاتهامات؟

يعود جزء من الالتباس إلى أن بعض تلامذة جينو، أو من تواصلوا معه وتأثروا بكتبه في الغرب، ذهبوا في اتجاهات لم يكن يقرّها، فنُسبت آراؤهم إليه. ويعود جزء آخر إلى أن رسائله الشخصية ظلت زمنًا طويلًا بعيدة عن القارئ، ولم يُنشر منها إلا أجزاء متفرقة باللغة الفرنسية. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى النصوص الأصلية قبل إصدار الأحكام.

خاتمة

تكشف رسائل رينيه جينو الشخصية صورة مختلفة تمامًا عن الصورة الشائعة عنه في بعض الكتابات: رجلٌ رفض الحلولية والخلط بين الأديان، وفرّق بين الحق المتعالي وتجلياته، وسلك طريقًا متدرجًا إلى الإسلام، ثم عاش ملتزمًا بشريعته حتى وفاته. وهي الصورة نفسها التي نقلها الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه «الفيلسوف المسلم عبد الواحد يحيى»، بعد لقاءاته به. ولمن أراد الاستزادة، فقد خصصنا لكل جانب من هذه الجوانب مقالًا مستقلًا: جينو والشريعة، والولاية والنبوة والطرق الصوفية، وخلط الشعائر والموسيقى، وكلها مجموعة في دليل رينيه جينو.

المراجع

  • Guénon, R. (1925). L’Homme et son devenir selon le Vêdânta. Paris: Bossard.
  • Guénon, R. (1931). Le Symbolisme de la croix. Paris: Véga.
  • Guénon, R. (1932). Les États multiples de l’être. Paris: Véga.
  • Guénon, R. (1946). Aperçus sur l’initiation. Paris: Éditions Traditionnelles.
  • عبد الحليم محمود. الفيلسوف المسلم عبد الواحد يحيى (رينيه جينو). القاهرة: دار المعارف.
  • Chacornac, P. (1958). La Vie simple de René Guénon. Paris: Éditions Traditionnelles.
  • Sedgwick, M. (2004). Against the Modern World. Oxford University Press.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *