لماذا يطيع الناس الحكومات؟ ومن أين تأتي شرعية السلطة؟ هل الدولة شيء طبيعي وُجد منذ الأزل، أم أن البشر اتفقوا في لحظة ما على إنشائها؟ من أكثر الإجابات تأثيرًا على هذه الأسئلة في الفكر السياسي الحديث «نظرية العقد الاجتماعي»، التي ترى أن السلطة السياسية تقوم على اتفاق بين الناس، يتنازلون بموجبه عن بعض حرياتهم مقابل الأمن والنظام وحماية حقوقهم. وقد صاغ هذه النظرية ثلاثة من كبار الفلاسفة، هم توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، كلٌّ بطريقته الخاصة. في هذا المقال نعرض تصور كل منهم، ونقارن بينهم، ثم نتوقف عند الانتقادات وامتداد الفكرة في العصر المعاصر.
أولًا: ما «حالة الطبيعة»؟
تنطلق نظريات العقد الاجتماعي من فرضية ذهنية: أن نتخيل البشر قبل وجود الدولة والقوانين، فيما يسمى «حالة الطبيعة». ولا يقصد معظم هؤلاء الفلاسفة أن هذه الحالة وُجدت تاريخيًا بالضرورة، بل يستعملونها أداة تحليلية لفهم وظيفة الدولة: فإذا عرفنا كيف تكون حياة الناس بدون سلطة، عرفنا لماذا يحتاجون إليها، وما حدود هذه السلطة.
ثانيًا: توماس هوبز… الخوف والأمن
عاش هوبز (١٥٨٨–١٦٧٩) في إنجلترا زمن الحرب الأهلية، وكتب كتابه الأشهر «اللفياثان» (١٦٥١) متأثرًا بأهوال تلك الحرب. ورأى أن حالة الطبيعة حالة «حرب الكل ضد الكل»، تسودها المنافسة والخوف والتنافس على المجد، وتكون فيها حياة الإنسان، بحسب عبارته الشهيرة، «منعزلة، فقيرة، كريهة، وحشية، وقصيرة».
وللخروج من هذه الحالة، يتفق الناس على التنازل عن حقهم في حكم أنفسهم لصالح سلطة عليا قوية، سماها «اللفياثان»، تحفظ الأمن وتمنع الفوضى. ويرى هوبز أن الأمن هو الغاية الأولى، وأن السلطة يجب أن تكون قوية بما يكفي لتحقيقه.
ثالثًا: جون لوك… الحقوق الطبيعية
قدّم جون لوك (١٦٣٢–١٧٠٤) في كتابه «رسالتان في الحكم» (١٦٩٠) صورة أكثر تفاؤلًا. فحالة الطبيعة عنده ليست حالة حرب، بل حالة حرية ومساواة يحكمها «القانون الطبيعي»، الذي يقضي بألّا يعتدي أحد على حياة غيره أو حريته أو ملكيته. لكن المشكلة أن هذه الحالة تفتقر إلى قاضٍ محايد ينفذ القانون، فيكون كل إنسان حكمًا في قضيته.
ولهذا يتفق الناس على تأسيس حكومة غايتها حماية حقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والملكية. والسلطة عند لوك محدودة بهذه الغاية، وهي أمانة لدى الحكام، تقوم على رضا المحكومين. وقد أثّرت أفكاره تأثيرًا كبيرًا في الفكر الليبرالي، كما بيّنا في مقال «الليبرالية: مفهوم ونظرية».
رابعًا: جان جاك روسو… الإرادة العامة
أما جان جاك روسو (١٧١٢–١٧٧٨) فقد افتتح كتابه «في العقد الاجتماعي» (١٧٦٢) بعبارته الشهيرة: «وُلد الإنسان حرًّا، وهو في كل مكان مكبّل بالأغلال». ورأى أن الإنسان في حالة الطبيعة كان طيبًا بطبعه، وأن المجتمع وما فيه من ملكية وتفاوت هو الذي أفسده.
والعقد الاجتماعي الصحيح عنده هو الذي يتحد فيه كل فرد مع الجميع، فيضع نفسه تحت توجيه «الإرادة العامة»، أي الإرادة التي تعبّر عن المصلحة المشتركة للجماعة كلها، لا عن مجموع المصالح الخاصة. والسيادة عنده للشعب، ولا يجوز التنازل عنها.
جدول مقارنة
| وجه المقارنة | هوبز | لوك | روسو |
|---|---|---|---|
| حالة الطبيعة | حرب الكل ضد الكل | حرية ومساواة يحكمها القانون الطبيعي | إنسان طيب بطبعه أفسده المجتمع |
| سبب العقد | الخوف والحاجة إلى الأمن | حماية الحقوق والحاجة إلى قاضٍ محايد | استعادة الحرية في إطار الجماعة |
| طبيعة السلطة | قوية لحفظ النظام | محدودة بغاية حماية الحقوق | السيادة للإرادة العامة |
| أشهر كتبه | اللفياثان (١٦٥١) | رسالتان في الحكم (١٦٩٠) | في العقد الاجتماعي (١٧٦٢) |
خامسًا: الانتقادات
تعرضت نظرية العقد الاجتماعي لانتقادات عديدة. فقد تساءل الفيلسوف ديفيد هيوم في مقاله «عن العقد الأصلي» (١٧٤٨): متى وقّع الناس هذا العقد؟ ورأى أن معظم الحكومات نشأت تاريخيًا بالقوة أو بالعادة، لا بالاتفاق. وانتقد آخرون الطابع الفردي للنظرية، لأنها تتصور الإنسان فردًا معزولًا يدخل المجتمع باختياره، في حين أن الإنسان يولد في أسرة وجماعة ولغة وثقافة. كما رأت الباحثة كارول بيتمان في كتابها «العقد الجنسي» (١٩٨٨) أن نظريات العقد الكلاسيكية أغفلت موقع المرأة.
سادسًا: امتداد الفكرة في العصر الحديث
لم تنتهِ فكرة العقد الاجتماعي بانتهاء القرن الثامن عشر، بل أحياها الفيلسوف الأمريكي جون رولز في القرن العشرين بنظريته عن «العدالة كإنصاف»، حين تخيل أفرادًا يختارون مبادئ العدالة من خلف «حجاب الجهل»، كما شرحنا في مقال «نظرية العدالة عند جون رولز». كما نجد في التراث السياسي الإسلامي حديثًا عن «البيعة» بوصفها عقدًا بين الحاكم والمحكومين، تناولها الفقهاء كالماوردي في «الأحكام السلطانية»، وإن اختلف إطارها ومرجعيتها عن نظريات العقد الأوروبية.
خاتمة
تظل نظرية العقد الاجتماعي من أهم الأدوات لفهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأساس السلطة وحدودها. ورغم اختلاف هوبز ولوك وروسو في تصوراتهم، فإنهم يتفقون على فكرة جوهرية: أن السلطة السياسية تحتاج إلى مبرر، وأن وظيفتها خدمة الناس وحفظ مصالحهم. ولمن أراد التوسع، نقترح قراءة «مفهوم الدولة» ومتابعة دليل النظرية السياسية.
المراجع
- Hobbes, T. (1651). Leviathan. London: Andrew Crooke.
- Locke, J. (1690). Two Treatises of Government. London: Awnsham Churchill.
- Rousseau, J.-J. (1762). Du contrat social. Amsterdam: Marc-Michel Rey.
- Hume, D. (1748). “Of the Original Contract”. In Essays, Moral and Political.
- Pateman, C. (1988). The Sexual Contract. Stanford University Press.
- Rawls, J. (1971). A Theory of Justice. Harvard University Press.
- Boucher, D., & Kelly, P. (Eds.). (1994). The Social Contract from Hobbes to Rawls. London: Routledge.
- الماوردي، أبو الحسن. الأحكام السلطانية والولايات الدينية.


