«الرأي والرأي الآخر»… عبارة نرددها كثيرًا بوصفها قيمة حضارية، وهي كذلك في مواضع كثيرة. لكنها تثير سؤالًا مزعجًا حين ننقلها إلى ميدان العلم: هل كل رأي يؤخذ على محمل الجد؟ وإذا كانت حرية التعبير حقًا تكفله الدساتير والقوانين، فهل يعني ذلك أن رأي أي إنسان في الطب أو الفيزياء أو الاقتصاد يتساوى مع رأي المتخصص؟ ومن الذي يحق له أن يتكلم في القضايا العلمية ويؤخذ كلامه بجدية؟ في هذا المقال، المبني على الفيديو المرفق، نناقش هذه الأسئلة التي كثيرًا ما نتجنب طرحها.
أولًا: أين ينتهي رأيك؟
قضية الرأي تشبه قضية الحرية: حريتي تنتهي حيث تبدأ حرية غيري، ورأيي له حدود أيضًا. فحق التعبير مكفول، لكنه ليس حقًا مطلقًا يجعل كل كلام جديرًا بالاعتماد. وفي ميدان العلم تحديدًا، لا يكفي أن يكون الكلام «منطقيًا في الظاهر» حتى يُقبل، بل لا بد أن يقوم على أدلة ومنهج ومعرفة متخصصة.
ثانيًا: فتنة العقل
من أكبر فتن العصر الحديث أن كل إنسان صار مفتونًا بعقله، يظن أنه يقول ما لم يُقل، ويكتشف ما عجزت البشرية عن اكتشافه. وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في علوم يحب الناس الخوض فيها دون علم، كالطب والتغذية والعلوم الإنسانية والدين والسياسة.
خذ مثالًا: يأتي أحدهم فيقول إنك إذا مرضت فلا تحتاج إلى الدواء، بل يكفيك خليط من البذور والزيوت. وقد يبدو الكلام مقنعًا لمن لا يملك خلفية علمية، لكنه في الحقيقة كلام لا يقوم على دليل. وقد رصدت دراسات علم النفس ظاهرة معروفة باسم «تأثير دانينغ–كروجر»، ومفادها أن قليلي المعرفة في مجال ما يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم فيه، لأنهم لا يملكون المعرفة الكافية لاكتشاف أخطائهم.
ثالثًا: الشهادة ليست كل شيء… درس العقاد
ولا يعني هذا أن الشهادة الجامعية هي المعيار الوحيد للعلم. فالأديب الكبير عباس محمود العقاد لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، لكنه علّم نفسه، وأتقن اللغات، وكتب في الأدب والفكر والتاريخ والدين حتى صار موضوعًا لرسائل الماجستير والدكتوراه. والفرق أنه أثبت علمه بالعمل والإنتاج، لا بالادعاء. فالمعيار هو القدرة العلمية الحقيقية، التي تظهر في المعرفة الدقيقة بالمصادر والأدلة والمناهج.
نظام الإجازة… حين كان العلم يُطلب لذاته
عرفت الحضارة الإسلامية نظام «الإجازة»، حيث يلازم الطالب عالمًا مشهورًا، ويقرأ عليه الكتب، فإذا أتقنها أجازه شيخه في روايتها وتدريسها. وقد درس المؤرخ جورج مقدسي هذا النظام في كتابه عن نشأة الكليات. ولعل هذا ما جعل علماء الماضي موسوعيين، يؤلفون في الرياضيات والفلك والهندسة وعلوم الشريعة معًا؛ لأنهم كانوا يطلبون العلم لشرفه، لا للشهادة أو الوظيفة. والسؤال الذي يطرحه الفيديو: لو ألغيت الشهادات اليوم وعدنا إلى نظام الإجازات، كم منا سيملك الدافع ليجلس عند العلماء ويتعلم؟
رابعًا: من أين جئت بمعلوماتك؟
حين يتحدث أحدهم عن حضارات قديمة استخدمت وصفات علاجية بعينها، هناك سؤالان يخفيان علينا عادة: الأول، من أين جاء بهذه المعلومات؟ فإما أن يكون عالمًا متخصصًا رجع إلى المصادر الأولية بلغتها الأصلية، وعرف الصحيح منها والخطأ، وإما أنه سمعها من غيره. وفي الحالة الثانية يكون مجرد ناقل، لا يُبنى على كلامه رأي ولا قرار.
والثاني: هل يملك القدرة على التمييز؟ فمن يقول إننا لا نحتاج إلى الأدوية الحديثة كالإنسولين، عليه أن يتذكر أن أجدادنا عاشوا قبل اكتشافه، وعانى كثير منهم وماتوا بسبب أمراض صارت اليوم قابلة للعلاج. ومن يتحدث عن طب الأولين، فليتذكر حال من كان يُكسر مفصل وركه قديمًا، فيبقى عاجزًا طوال حياته، بينما صارت جراحات العظام اليوم تعيد إليه الحركة. فالأقدمون كانوا متقدمين في علوم، وغير متقدمين في أخرى، وهذا أمر طبيعي.
| المتخصص الحقيقي | مستهلك المعرفة |
|---|---|
| يعود إلى المصادر الأولية ويفهمها | ينقل ما سمعه أو قرأه في منشور |
| يعرف حدود علمه ويقول «لا أعلم» | يتكلم في كل شيء بثقة |
| يفرق بين البحث العلمي وغير العلمي | ينخدع بالصور والعناوين المثيرة |
| يتفق أو يختلف بناء على الأدلة | يتفق أو يختلف بناء على الانطباع |
خامسًا: الأزمة لا تقتصر على العامة
يروي الفيديو تجربة من عمل سابق في إدارة تحرير مجلات علمية جامعية، تضم أبحاثًا لأساتذة من جنسيات وتخصصات مختلفة. وكانت المفاجأة أن برامج كشف الاقتباس أظهرت في بعض الأبحاث نسبًا مرتفعة جدًا من النقل الحرفي دون توثيق. وهذه ظاهرة عالمية لا تخص بلدًا بعينه، لكنها تكشف أن الأزمة أعمق من أن تكون أزمة غير المتخصصين وحدهم؛ إنها أزمة في ثقافة العلم نفسها.
سادسًا: بلد العميان
في قصة قصيرة شهيرة للكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز بعنوان «بلد العميان» (١٩٠٤)، يصل رجل مبصر إلى وادٍ يعيش أهله جميعًا بلا بصر منذ أجيال. فيحاول أن يحدثهم عن الألوان والسماء، فيرونه مجنونًا، وينتهي الأمر بأن يقترحوا علاجه بانتزاع عينيه حتى يصير «طبيعيًا» مثلهم. وهي صورة بليغة عن مجتمع يشيع فيه الجهل حتى يصير الجاهل لا يدرك جهله، ويصبح العلم نفسه مستنكرًا.
خاتمة: كلنا نحتاج بعضنا
ليس المقصود من هذا النقاش احتقار غير المتخصص، فليس كل الناس علماء، ولو كان الجميع علماء لتعطلت الحياة. فقد خلق الله الناس بقدرات ومواهب مختلفة: هذا بعقله، وذاك بيده، وثالث بحسه وخبرته العملية، ليحتاج بعضنا إلى بعض، ولا يظن أحد أنه فوق الناس مهما بلغ علمه. والمطلوب ببساطة أن يعرف كل منا حدود معرفته، وأن يرد ما لا يعلمه إلى أهله، كما قال تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». للمزيد، اقرأ «رينيه جينو وأزمة البحث العلمي» و«هل كان رينيه جينو يرفض الطب والتكنولوجيا؟».
المراجع
- القرآن الكريم، سورة النحل، الآية ٤٣.
- Kruger, J., & Dunning, D. (1999). “Unskilled and unaware of it”. Journal of Personality and Social Psychology, 77(6), 1121–1134.
- Nichols, T. (2017). The Death of Expertise. Oxford University Press.
- Makdisi, G. (1981). The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West. Edinburgh University Press.
- Wells, H. G. (1904). “The Country of the Blind”. The Strand Magazine.
- Popper, K. (1959). The Logic of Scientific Discovery. London: Hutchinson.


