محمد سلطان

هل كان رينيه جينو يرفض الطب والتكنولوجيا؟

حين يقرأ البعض نقد رينيه جينو الحاد للحضارة الحديثة، يتسرّع في استنتاج أنه كان يدعو إلى رفض كل منجزاتها: لا طب حديث، ولا دواء، ولا تكنولوجيا، والعودة إلى العلاج بالأعشاب والطاقة وما شابه. وقد ساعد على انتشار هذا الفهم بعضُ من يستشهدون بجينو دون أن يقرؤوه بعناية. والحقيقة أن موقف الشيخ عبد الواحد يحيى كان أدق من ذلك بكثير. فقد كان رجلًا متمكنًا من الرياضيات والعلوم، وكتب في أصول حساب التفاضل والتكامل، ولم يكن عدوًا للعلم، بل ناقدًا لنوع معين من النظرة إلى العلم. في هذا المقال نوضح هذا الفرق الدقيق.

باختصار: لم يرفض جينو الطب ولا التكنولوجيا، بل انتقد العلم الحديث حين ينحصر في المادة وحدها وينقطع عن المبادئ العليا. فالعلم الحديث عنده ليس خاطئًا، بل ناقص و«مقطوع الجذر». وهو يؤكد مراتب المعرفة واحترام التخصص، ويرى أن الإصلاح يكون بإعادة العلم إلى أصوله لا بهدمه.

أولًا: ماذا انتقد جينو بالضبط؟

حين انتقد جينو الحداثة والعالم المادي، لم يكن ينتقد العلم في ذاته، بل العلم الذي يقوم على المادة وحدها، أي على العالم المحسوس الظاهر، ثم يزعم أنه يفسر الوجود كله. وقد خصّص لهذا فصلًا في كتابه «أزمة العالم الحديث» (١٩٢٧) بعنوان «العلم المقدس والعلم الدنيوي»، ميّز فيه بين علوم تقليدية ترتبط بمبادئ عليا وتُفهم في ضوئها، وعلوم حديثة استقلت عن كل مبدأ متعالٍ، فصارت تدرس الأشياء من ظاهرها فقط.

ومن هنا جاءت عبارته التي نلخصها في الفيديو بأن العلوم الحديثة «ليست خاطئة، لكنها مقطوعة الجذر». فهي صحيحة فيما تقيسه وتجربه، لكنها حين تحاول تفسير كل شيء من خلال عدسة المادة الضيقة تصبح ناقصة وقاصرة عن الإحاطة بالحقيقة كاملة.

ثانيًا: مراتب الوجود ومراتب المعرفة

يقوم فكر جينو على أن الوجود مراتب متدرجة من الأعلى إلى الأدنى، وأن البشر أيضًا متفاوتون في قدراتهم ومواهبهم ومعارفهم. ولهذا يرى أن من مشكلات العالم الحديث أنه «قلب الهرم»، فلم يعد يحترم هذا التفاوت الطبيعي بين المواهب والقدرات. وقد عبّر عن ذلك في نقده لفكرة المساواة المطلقة بين الآراء في كل مجال، وهي فكرة ناقشناها في مقال «هل الديمقراطية أفضل أنظمة الحكم؟».

وأوضح مثال على هذا المعنى هو التخصص. فطالب الطب، ولو كان في بداية دراسته، صوته في مسائل الطب أولى من صوت غير المتخصص، بل من صوت المهندس أو أستاذ العلوم السياسية. ليس لأنه أفضل منهم إنسانيًا، بل لأنه درس ما لم يدرسوه، فحتى خطؤه أقرب إلى الصواب لأنه خطأ مبني على خلفية علمية. وهذا ليس نظرة نخبوية تخدم طبقة على حساب أخرى، بل احترام لطبيعة المعرفة نفسها.

ثالثًا: هل يعني ذلك رفض الطب الحديث؟

إطلاقًا. فجينو لم يقل: لن نستعمل التكنولوجيا، ولن نلجأ إلى الطب، ولن نأخذ الأدوية. بل إن من يقرأ كتبه يجد أنه كان شديد النقد لأدعياء المعرفة الروحية الذين يروّجون للخرافات باسم التراث. فهو، كما يقول المثل، لم يكن يدعو إلى «ثورة» على العلم الحديث، بل إلى تهذيبه وتطويره وإعادته إلى صورته الأصلية، حين كانت هناك صلة بين العلم والمعرفة والمواهب التي تتجاوز العقل الجزئي.

ما يرفضه جينوما لا يرفضه جينو
حصر الحقيقة في المادة المحسوسة وحدهانتائج العلوم التجريبية فيما تقيسه بدقة
ادعاء العلم الحديث الإحاطة بكل شيءالطب والدواء والتقنية في مجالها
إلغاء مراتب المعرفة وتساوي الآراء في كل مجالالتخصص واحترام أهل الخبرة
الخرافات التي تُنسب زورًا إلى التراثالعلوم التقليدية في معانيها المعرفية الأصيلة

رابعًا: الكيمياء والخيمياء… مثال على الفرق

يضرب الفيديو مثالًا يوضح الفكرة: الكيمياء الحديثة تتحدث عن الذرات والجزيئات والروابط الكيميائية، وأن إضافة هذا إلى ذاك تعطي نتيجة معينة. وهذا علم صحيح دقيق. لكنه يدرس الآثار الخارجية للمادة، ولا يتحدث عن «حياة» هذه المادة أو معناها. أما الخيمياء القديمة، كما فهمها جينو وتلامذته مثل تيتوس بوركهارت، فكانت في جوهرها علمًا رمزيًا يتحدث عن تحوّل النفس الإنسانية وتهذيبها، لا مجرد محاولة لتحويل المعادن إلى ذهب كما يتصور الكثيرون.

ومثله ما نلاحظه في الإنسان نفسه: فقياس قوة عضلات الرياضي لا يفسر كل ما يستطيع فعله، لأن الإرادة والعزيمة والحماسة عوامل حقيقية تؤثر في الأداء، وإن لم تكن قابلة للقياس بالأجهزة ذاتها. والإنسان ليس عضلات فقط.

خامسًا: العلوم الخفية في ميزان الحذر

يشير الفيديو إلى علوم قديمة تحدث عنها ابن خلدون في «المقدمة»، مثل ما سماه «علم أسرار الحروف». ومن المهم هنا التوضيح أن ابن خلدون عرض هذه العلوم بنظرة نقدية متحفظة، ونبّه على ما فيها من ادعاء أو مخالفة. والموقف الأزهري المعتدل يقوم على الحذر من كل ما لا يستند إلى دليل شرعي أو برهان علمي، مع التمييز بين المعنى الرمزي والمعرفي الذي كان يقصده جينو، وبين الممارسات الشعبية التي تُروّج باسم هذه العلوم. وجينو نفسه، كما بيّنا في مقالات سابقة، كان من أشد الناس نقدًا للدجل والخرافة.

خاتمة

لم يكن رينيه جينو عدوًا للطب ولا للتكنولوجيا، بل ناقدًا لنظرة تحصر الحقيقة في المادة، وتلغي مراتب المعرفة، وتقطع العلم عن جذوره. ودعوته في جوهرها دعوة إلى الاكتمال لا إلى الهدم: أن نستفيد من دقة العلم الحديث، وأن نتذكر في الوقت نفسه أن الإنسان والوجود أوسع من أن يحيط بهما المختبر. للمزيد، اقرأ «العصر المظلم: نبوءة رينيه جينو» وتابع دليل رينيه جينو.

المراجع

  • Guénon, R. (1927). La Crise du monde moderne. Paris: Bossard. (الفصل الرابع: «Science sacrée et science profane»).
  • Guénon, R. (1945). Le Règne de la quantité et les signes des temps. Paris: Gallimard.
  • Guénon, R. (1946). Les Principes du calcul infinitésimal. Paris: Gallimard.
  • Burckhardt, T. (1967). Alchemy: Science of the Cosmos, Science of the Soul. Trans. W. Stoddart. London: Stuart & Watkins.
  • ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق: علي عبد الواحد وافي. القاهرة: دار نهضة مصر.
  • عبد الحليم محمود. الفيلسوف المسلم عبد الواحد يحيى (رينيه جينو). القاهرة: دار المعارف.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *