يُعرف جون لوك اليوم بوصفه «أبا الليبرالية» وصاحب نظرية الحقوق الطبيعية في الحياة والحرية والملكية. لكن وراء هذه الصورة الكبيرة إنسانًا عاش حياة لافتة: درس الطب وأنقذ حياة رجل من أقوى رجال عصره، وعاش سنوات في المنفى متخفيًا باسم مستعار، ونشر أهم كتبه دون أن يضع اسمه عليها، وجمع في شخصيته بين التدين العميق والعقلانية الصارمة، وبين الدعوة إلى الحرية والتورط في مصالح استعمارية تناقضها. في هذه الحلقة من سلسلة «أعلام الفكر السياسي» نقترب من لوك الإنسان، ثم نعرض أفكاره ونقيّمها بإنصاف.
أولًا: النشأة والتعليم
وُلد جون لوك في ٢٩ أغسطس ١٦٣٢ في قرية رينغتون بمقاطعة سومرست في إنجلترا، لأسرة بروتستانتية متدينة. كان والده محاميًا صغيرًا، وتربى لوك على قيم الانضباط والتدين. التحق بمدرسة وستمنستر الشهيرة في لندن، ثم بكلية «كرايست تشيرش» في جامعة أكسفورد، حيث درس الفلسفة المدرسية التقليدية، لكنه لم يجد فيها ما يشبع عقله، فاتجه إلى العلوم التجريبية والطب.
وفي أكسفورد تعرّف إلى العالم روبرت بويل، أحد مؤسسي الكيمياء الحديثة، وتأثر بمنهجه التجريبي. كما عمل مع الطبيب الشهير توماس سيدنهام، وتعلم منه أن المعرفة الطبية تقوم على الملاحظة الدقيقة للمرضى، لا على النظريات المجردة. وهذا المنهج التجريبي سيظهر لاحقًا في فلسفته كلها.
ثانيًا: الطبيب الذي أنقذ رجل الدولة
في عام ١٦٦٦ التقى لوك بأنتوني آشلي كوبر، الذي صار لاحقًا «إيرل شافتسبري»، أحد أقوى رجال السياسة في إنجلترا. وكان شافتسبري يعاني من خراج في الكبد، فأشرف لوك عام ١٦٦٨ على عملية جراحية خطيرة له، وُضع بعدها أنبوب لتصريف الخراج. ونجحت العملية، فاعتبر شافتسبري أن لوك أنقذ حياته، وجعله طبيبه ومستشاره وصديقه المقرب. ومن خلاله دخل لوك عالم السياسة والاقتصاد والإدارة.
ثالثًا: المنفى والاسم المستعار
شهدت إنجلترا في تلك الفترة صراعات حادة حول الدين والحكم. وحين اتُّهمت دائرة شافتسبري بالتآمر، فرّ شافتسبري إلى هولندا ومات هناك عام ١٦٨٣. وشعر لوك بالخطر، فلحق به إلى هولندا في العام نفسه، وعاش هناك نحو ست سنوات، متنقلًا بين المدن، ومستعملًا أحيانًا أسماء مستعارة، بل وطُلب تسليمه إلى إنجلترا. وفي هذا المنفى أتم كثيرًا من أعماله الكبرى. ولم يعد إلى بلاده إلا في فبراير ١٦٨٩، بعد التحولات السياسية التي عُرفت بـ«الثورة المجيدة».
رابعًا: الكتب الكبرى… ونشر بلا اسم
في عامي ١٦٨٩ و١٦٩٠ ظهرت أهم كتب لوك تقريبًا في وقت واحد:
- «مقالة في الفهم الإنساني»: أشهر كتبه الفلسفية، ويرى فيه أن العقل يولد «صفحة بيضاء»، وأن معارفنا كلها تأتي من التجربة الحسية والتأمل.
- «رسالتان في الحكم»: كتابه السياسي الأهم، وقد نشره دون اسمه، ولم يعترف بتأليفه علنًا إلا في وصيته.
- «رسالة في التسامح»: دافع فيها عن التسامح الديني، وكُتبت أصلًا باللاتينية في هولندا.
وفي «رسالتان في الحكم» يرى لوك أن الناس في «حالة الطبيعة» أحرار متساوون، يحكمهم «القانون الطبيعي» الذي يمنع الاعتداء على الحياة والحرية والملكية، وأنهم أسسوا الحكومة لتحمي هذه الحقوق. والسلطة عنده «أمانة» تقوم على رضا الناس. وقد عرضنا هذه الأفكار بالمقارنة مع هوبز وروسو في مقال «نظرية العقد الاجتماعي».
خامسًا: الدين في حياة لوك
كان لوك متدينًا بعمق، وأمضى سنواته الأخيرة في دراسة الكتاب المقدس وكتابة شروح على رسائل بولس. وفي كتابه «معقولية المسيحية» (١٦٩٥) حاول أن يبين أن الإيمان يتفق مع العقل. ويرى كثير من الباحثين، ومنهم جون دَن وجيريمي والدرون، أن فكره السياسي لا يُفهم إلا في ضوء إيمانه بأن البشر جميعًا خلق الله، وأن حقوقهم مستمدة من هذا الأصل، لا من إرادة الحاكم.
سادسًا: التناقضات… الوجه الآخر
ولا تكتمل صورة لوك دون الإشارة إلى تناقضاته. فقد استثنى في «رسالة في التسامح» الملحدين من التسامح بحجة أنهم لا يُؤتمنون على العهود، واستثنى الكاثوليك أيضًا لأسباب سياسية تتعلق بعصره. والأخطر أنه شارك في صياغة «الدساتير الأساسية لكارولينا» (١٦٦٩) التي أقرت العبودية، وامتلك أسهمًا في «الشركة الملكية الأفريقية» التي كانت تعمل في تجارة الرقيق. وهو ما يطرح سؤالًا محرجًا ناقشه المؤرخون كثيرًا: كيف يدافع رجل عن الحرية الطبيعية للبشر، ويشارك في الوقت نفسه في مشروعات تنتهكها؟
| الجانب | ما يُحسب له | ما يُؤخذ عليه |
|---|---|---|
| الفكر السياسي | فكرة السلطة أمانة تقوم على الرضا وحماية الحقوق | تصور فردي للإنسان يهمل الجماعة |
| الدين | الدفاع عن التسامح الديني ونبذ الإكراه في العقيدة | استثناء فئات من التسامح |
| الممارسة | منهج تجريبي دقيق في الطب والفلسفة | المشاركة في مصالح تجارية استعمارية |
سابعًا: سنوات الهدوء والرحيل
لم يتزوج لوك قط. وفي سنواته الأخيرة، وقد أنهكه الربو، أقام في منزل «أوتس» بمقاطعة إسيكس، ضيفًا على صديقته الفيلسوفة داماريس ماشام وزوجها، يقرأ ويكتب ويستقبل الزوار. وتوفي هناك في ٢٨ أكتوبر ١٧٠٤، وكانت داماريس تقرأ له المزامير في ساعاته الأخيرة.
خاتمة
جون لوك مفكر كبير ترك أثرًا عميقًا في الفلسفة السياسية والتربية ونظرية المعرفة، لكنه أيضًا إنسان ابن عصره، بتناقضاته وحدوده. وقراءته بإنصاف تعني أن نقدّر إسهامه دون أن نتجاهل ما يؤخذ عليه. وفي الحلقة السابقة من السلسلة تناولنا «توماس هوبز»، ولمعرفة المزيد عن التيار الذي ارتبط باسم لوك، اقرأ «الليبرالية: مفهوم ونظرية».
المراجع
- Locke, J. (1690). Two Treatises of Government. London: Awnsham Churchill.
- Locke, J. (1690). An Essay Concerning Human Understanding. London.
- Locke, J. (1689). Epistola de Tolerantia. Gouda.
- Woolhouse, R. (2007). Locke: A Biography. Cambridge University Press.
- Dunn, J. (1969). The Political Thought of John Locke. Cambridge University Press.
- Waldron, J. (2002). God, Locke, and Equality. Cambridge University Press.
- Armitage, D. (2004). “John Locke, Carolina, and the Two Treatises of Government”. Political Theory, 32(5), 602–627.
- Laslett, P. (Ed.). (1960). Locke: Two Treatises of Government (Introduction). Cambridge University Press.


