تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد سلطان

حروب الاستقلال في أمريكا اللاتينية: بوليفار وسان مارتين

في أقل من عشرين عامًا، بين عامي ١٨٠٨ و١٨٢٦، تغيّرت خريطة نصف الكرة الغربي تغيّرًا جذريًا. فالإمبراطورية الإسبانية التي حكمت مساحات شاسعة من المكسيك حتى أقصى الجنوب ثلاثة قرون كاملة، تفككت إلى دول مستقلة ما زالت قائمة حتى اليوم. وارتبطت هذه التحولات باسمين كبيرين: سيمون بوليفار في الشمال، وخوسيه دي سان مارتين في الجنوب. في هذا المقال نعرض أسباب حروب الاستقلال في أمريكا اللاتينية، ومراحلها الكبرى، ودور القائدين، والنتائج التي ترتبت عليها.

باختصار: اندلعت حروب الاستقلال بعد أن غزا نابليون إسبانيا عام ١٨٠٨ وأسقط ملكها، فتشكلت في المستعمرات مجالس حكم محلية تحولت تدريجيًا إلى حركات استقلال. قاد سيمون بوليفار التحرير في فنزويلا وكولومبيا والإكوادور، وقاد سان مارتين التحرير في الأرجنتين وتشيلي ثم بيرو، والتقى القائدان في غواياكيل عام ١٨٢٢. وانتهت الحرب فعليًا بمعركة أياكوتشو عام ١٨٢٤.

أولًا: الجذور… لماذا طالبت المستعمرات بالاستقلال؟

لم يكن الاستقلال فكرة مفاجئة، بل سبقته عقود من التوتر. ففي القرن الثامن عشر أجرت الأسرة البوربونية الحاكمة في إسبانيا ما عُرف بـ«الإصلاحات البوربونية»، فشددت قبضة مدريد على التجارة والضرائب والإدارة، وفضّلت تعيين الموظفين المولودين في إسبانيا على حساب «الكريول»، أي المنحدرين من أصول إسبانية والمولودين في القارة. وشعر الكريول، وهم نخبة متعلمة وثرية، بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلادهم.

وأسهمت عوامل خارجية في تغذية هذا الشعور، منها استقلال الولايات المتحدة عام ١٧٧٦، والثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، وثورة هايتي التي أعلنت استقلالها عام ١٨٠٤. كما انتشرت أفكار عصر التنوير عن السيادة والحقوق بين المثقفين، وإن كان كثير من الكريول يخشون في الوقت نفسه من ثورات اجتماعية تهدد مكانتهم.

ثانيًا: الشرارة… أزمة عام ١٨٠٨

جاءت اللحظة الحاسمة من أوروبا. ففي عام ١٨٠٨ اجتاح نابليون بونابرت إسبانيا، وأجبر الملك فرناندو السابع على التنازل عن العرش في بايون، ونصّب أخاه جوزيف ملكًا. هنا وجدت المستعمرات نفسها أمام فراغ في الشرعية: لمن تدين بالولاء؟ للملك الأسير أم للحاكم الفرنسي؟

كان الرد تشكيل «مجالس حكم» (Juntas) محلية في المدن الكبرى، أعلنت في البداية أنها تحكم باسم الملك الأسير. ففي كاراكاس تشكل مجلس في ١٩ أبريل ١٨١٠، وفي بوينس آيرس قامت «ثورة مايو» في ٢٥ مايو ١٨١٠، وفي بوغوتا في ٢٠ يوليو ١٨١٠. أما في المكسيك فاتخذت الحركة طابعًا شعبيًا حين أطلق القس ميغيل هيدالغو «صرخة دولوريس» في ١٦ سبتمبر ١٨١٠. ومع مرور الوقت تحولت هذه المجالس من الحكم باسم الملك إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال.

ثالثًا: سيمون بوليفار… المحرّر في الشمال

وُلد سيمون بوليفار في كاراكاس عام ١٧٨٣ لأسرة كريولية ثرية، وتلقى تعليمًا متأثرًا بأفكار التنوير، وسافر إلى أوروبا وتأثر بما رآه فيها. أعلنت فنزويلا استقلالها في ٥ يوليو ١٨١١، لكن «الجمهورية الأولى» سقطت سريعًا عام ١٨١٢. فكتب بوليفار «بيان قرطاجنة» محللًا أسباب الفشل، ثم قاد عام ١٨١٣ ما سُمّي «الحملة المدهشة» واستعاد كاراكاس، ونال لقب «المحرّر».

غير أن الحرب عرفت تقلبات عنيفة، فاضطر بوليفار إلى المنفى، وكتب في جامايكا عام ١٨١٥ رسالته الشهيرة «رسالة جامايكا» التي عرض فيها رؤيته لمستقبل القارة. ثم عاد ليغيّر استراتيجيته: عبر جبال الأنديز وانتصر في معركة بوياكا في ٧ أغسطس ١٨١٩، فتحررت غرناطة الجديدة (كولومبيا الحالية). وفي العام نفسه أُعلن قيام «كولومبيا الكبرى» التي ضمت فنزويلا وكولومبيا ثم الإكوادور وبنما. وحسمت معركة كارابوبو في ٢٤ يونيو ١٨٢١ مصير فنزويلا، ثم انتصر قائده أنطونيو خوسيه دي سوكري في معركة بيتشينشا في ٢٤ مايو ١٨٢٢ قرب كيتو.

رابعًا: سان مارتين… عبور الأنديز في الجنوب

وُلد خوسيه دي سان مارتين عام ١٧٧٨ في منطقة الريو دي لا بلاتا (الأرجنتين الحالية)، وخدم ضابطًا في الجيش الإسباني سنوات طويلة، ثم عاد عام ١٨١٢ لينضم إلى حركة الاستقلال. أعلنت «المقاطعات المتحدة» استقلالها في توكومان في ٩ يوليو ١٨١٦. أدرك سان مارتين أن معقل القوة الإسبانية في الجنوب هو ليما، عاصمة نيابة الملك في بيرو، وأن الطريق إليها يمر عبر تشيلي.

فأعدّ «جيش الأنديز» في مندوزا، وعبر به جبال الأنديز في مطلع عام ١٨١٧ في واحدة من أصعب العمليات العسكرية في ذلك العصر. وانتصر في معركة تشاكابوكو في ١٢ فبراير ١٨١٧، ثم في معركة مايبو في ٥ أبريل ١٨١٨ التي ثبّتت استقلال تشيلي. بعد ذلك نقل جيشه بحرًا إلى بيرو، وأعلن استقلالها في ليما في ٢٨ يوليو ١٨٢١.

خامسًا: لقاء غواياكيل… لحظة غامضة في التاريخ

في ٢٦ و٢٧ يوليو ١٨٢٢ التقى القائدان في مدينة غواياكيل لقاءً مغلقًا لم يُدوَّن محضره. وما زال المؤرخون يختلفون في تفسير ما جرى. لكن النتيجة كانت واضحة: انسحب سان مارتين من المشهد، وترك قيادة المرحلة الأخيرة لبوليفار، ثم غادر إلى أوروبا، وعاش في فرنسا حتى وفاته في بولوني سور مير عام ١٨٥٠. ويرى كثير من المؤرخين أن انسحابه كان تجنبًا لصراع بين جيشين حليفين.

سادسًا: أياكوتشو… نهاية الحرب

تقدّم بوليفار وسوكري نحو بيرو العليا، وانتصرا في معركة خونين في ٦ أغسطس ١٨٢٤، ثم جاءت المعركة الحاسمة في أياكوتشو في ٩ ديسمبر ١٨٢٤، حين هزم سوكري آخر جيش إسباني كبير في القارة. وفي العام التالي أُعلن قيام دولة جديدة سُميت «بوليفيا» تكريمًا لبوليفار.

الحدثالتاريخالأهمية
غزو نابليون لإسبانيا١٨٠٨فراغ في الشرعية في المستعمرات
ثورة مايو في بوينس آيرس٢٥ مايو ١٨١٠بداية الحكم الذاتي في الجنوب
إعلان استقلال الأرجنتين٩ يوليو ١٨١٦مؤتمر توكومان
عبور الأنديز وتشاكابوكو١٨١٧تحرير تشيلي
معركة بوياكا٧ أغسطس ١٨١٩تحرير كولومبيا
لقاء غواياكيليوليو ١٨٢٢انسحاب سان مارتين
معركة أياكوتشو٩ ديسمبر ١٨٢٤نهاية الحكم الإسباني في أمريكا الجنوبية

سابعًا: مسارات مختلفة… المكسيك والبرازيل

لم تسلك كل البلدان الطريق نفسه. ففي المكسيك أُعدم هيدالغو عام ١٨١١، ثم واصل خوسيه ماريا موريلوس الكفاح حتى إعدامه عام ١٨١٥. وجاء الاستقلال أخيرًا عام ١٨٢١ عبر اتفاق بين قوى محافظة ومتمردين بقيادة أغوستين دي إيتوربيدي. أما البرازيل فكانت مستعمرة برتغالية، وقد انتقل إليها البلاط الملكي البرتغالي عام ١٨٠٨ هربًا من نابليون، ثم أعلن الأمير بيدرو استقلالها في ٧ سبتمبر ١٨٢٢ لتصبح إمبراطورية لا جمهورية.

ثامنًا: النتائج… حلم الوحدة وواقع التفكك

حلم بوليفار بوحدة أمريكا اللاتينية، ودعا إلى «مؤتمر بنما» عام ١٨٢٦ لهذا الغرض، لكن الحلم لم يتحقق. فقد تفككت كولومبيا الكبرى عام ١٨٣٠، وهو العام الذي توفي فيه بوليفار في سانتا مارتا. وورثت الدول الجديدة مشكلات عميقة: اقتصادات أنهكتها الحرب، ونفوذ القادة العسكريين المعروفين بـ«الكاوديو»، وفجوات اجتماعية واسعة بين النخب وسكان البلاد الأصليين والمنحدرين من أصول أفريقية. ولهذا يرى بعض المؤرخين أن الاستقلال كان سياسيًا أكثر منه اجتماعيًا، وهي فكرة عادت لاحقًا في نقاشات نظرية التبعية.

خاتمة

تكشف حروب الاستقلال كيف يمكن لحدث في أوروبا أن يطلق سلسلة من التحولات في قارة أخرى، وكيف تتشابك الأفكار والمصالح والطموحات الشخصية في صناعة التاريخ. وما زال بوليفار وسان مارتين حاضرين بقوة في الذاكرة الوطنية لشعوب أمريكا اللاتينية، في أسماء المدن والميادين والعملات. ولمن يريد التوسع، يمكن الرجوع إلى مقالنا عن تاريخ أمريكا اللاتينية من الغزو إلى الاستقلال، أو تصفح دليل أمريكا اللاتينية الذي يجمع مقالاتنا عن القارة.

المراجع

  • John Lynch, The Spanish American Revolutions 1808–1826, 2nd ed., New York: W. W. Norton, 1986.
  • John Lynch, Simón Bolívar: A Life, New Haven: Yale University Press, 2006.
  • John Lynch, San Martín: Argentine Soldier, American Hero, New Haven: Yale University Press, 2009.
  • Jaime E. Rodríguez O., The Independence of Spanish America, Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
  • Leslie Bethell (ed.), The Independence of Latin America, Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *