محمد سلطان

هل الفقراء صناع الحضارة وحماة الأخلاق؟

يقول تشي جيفارا: «الذي قال إن الفقر ليس عيبًا كان يريد أن يكمل الجملة، ولكن قاطعه الأغنياء بالتصفيق الحار». من هذه العبارة ننطلق في سؤال يبدو بسيطًا لكنه شائك: هل الفقراء فعلًا صنّاع الحضارة وحماة الأخلاق كما تصوّرهم بعض الأدبيات الرومانسية؟ أم أن هذه الصورة تجمّل واقعًا قاسيًا؟

الفقر والثراء: لكلٍّ مشكلاته

لا أحاول هنا أن أرسم الثراء في صورة ملائكية، فمشكلات الرفاهية لا تقل خطورة عن مشكلات الفقر. لكن لا شك أن مشكلات الفقر أشد وأقسى؛ فشتّان بين من يبكي في سيارته الفارهة لأنه رسب في امتحان، ومن يبكي على قارعة الطريق من الجوع والبرد والمرض. ويتوهم بعضهم أن الإنسان يسمو ويرتقي كلما زاد ألمه ومعاناته، وهذا وهمٌ لم يعرف صاحبه معاناة الحياة تحت خط الفقر.

أرقام تكشف حجم المشكلة

تشير تقديرات دولية لعام 2018 تقريبًا إلى أن نحو 9% من سكان العالم كانوا يعيشون على أقل من دولارين يوميًا، ونحو ربع البشر على أقل من 3.6 دولار، وقرابة نصفهم على أقل من 6.8 دولار، بينما يعيش أكثر من 80% على أقل من 30 دولارًا يوميًا. وحين نفكر في احتياجات أسرة صغيرة من طعام وملبس ودواء وتعليم، ندرك كم هي مرعبة هذه الأرقام.

لا تجمّلوا وجه الفقر

لسنا بصدد البكاء على اللبن المسكوب، لكن على الأقل لا ينبغي أن نجمّل الفقر أو نقدّمه بوصفه موطن الحضارة والأخلاق والسمو الروحي والحكمة الضائعة. فالحضارة لم ولن تقوم على الفقر، ولذلك يُروى عن عمر بن الخطاب قوله: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته». والقرآن الكريم لا يحث على الفقر، بل يدعو إلى السعي والعمل والاجتهاد، وأن تكون الدنيا في يد الإنسان لا في قلبه، وألّا يفتقر إلا إلى الله.

البيئة تصنع الإنسان

يتأثر الإنسان دائمًا بالبيئة التي يعيش فيها. ورغم أن عظماء خرجوا من بيئات فقيرة، فهذا هو الاستثناء لا القاعدة. ولا أدعو هنا إلى الهروب إلى المجتمعات المترفة، بل أتحدث عن بيئة إنسانية معتدلة، بلا ثراء فاحش ولا فقر مدقع، ولا تكون مرتعًا للفقر والجهل والمرض. فالطفل الذي ينشأ وهو يرى جارًا جاهلًا أو عنيفًا يفتقد القدوة الصالحة، والبطل الذي يتمنى أن يكون مثله حين يكبر.

حين يصبح الفقر طارئًا على التربية

المدهش أن هذه المجتمعات نفسها كانت قبل مئة عام تقريبًا تملك منظومة راسخة من القيم والآداب رغم فقرها. فما الذي تغيّر؟ ببساطة: كان هناك توازن بين الفقر والتربية السليمة، فكان الفقر هو الطارئ على التربية لا العكس. ولهذا يقول المثل: «عينه مليانة ولو كان فقير»، لأن الفقر طارئ عليه وهو في الأصل شبعان. أما حين تنعدم التنمية وتغيب التربية، فيضعف جسد المجتمع وتنهار مناعته، وتنتشر مع «سرطان الفقر» أمراض أخرى كالعنف والجهل وقانون الغابة.

الطفل بين الفريسة والمفترس

الطفل هو مستقبل المجتمع، وحين ينشأ وسط الألفاظ النابية والمعاملات الدنيئة يحدث له أحد أمرين: إما أن تتشوه شخصيته وتضعف فيصبح فريسة للآخرين، وإما أن يتحول بآلية دفاعية من غزالة إلى ضبع، فيدخل دوامة «البقاء للأقوى»: الأقوى عضليًا وسلاطةً في اللسان. ولهذا نجد أن كثيرًا ممن نبغوا في هذه المجتمعات كان نبوغهم ثمرة انتقالهم إلى بيئة جديدة: أسرة تبنّتهم، أو منحة دراسية، أو مؤسسة تعليمية أو خيرية احتضنتهم.

قشور الحضارة في المجتمعات المترفة

على الجانب الآخر، كثيرًا ما تقدّم المجتمعات المترفة قشور الحضارة لا جوهرها: مثالية فارغة والتزام بالشكل والمظهر، بينما الإنسان نفسه فارغ من الداخل. فتكثر أمراض الرياء والزهو والعُجب، وتعلو الفردانية لتملأ الفراغ، وترتفع معدلات الحزن والاكتئاب بسبب فراغ الوجدان. والنجاح الذي يبدأ بمليون دولار من الأب هو في الحقيقة نجاح الأب لا نجاح الابن.

التدين بين الفقر والرفاهية

قد يشيع التدين الظاهري في المجتمعات الفقيرة، لكن له جذورًا قوية في قلوب الفقراء الذين لا يملكون ما يتمسكون به سوى إيمانهم بأن القادم أفضل. أما في المجتمعات المترفة فيشيع «التدين الحداثي»: بحثٌ عن روحانية تضع الإنسان في مركز الكون وتكاد تؤلّهه، بعيدًا عن المؤسسة الدينية التي أزعجت الغرب طويلًا. وهذا فخٌّ طبيعي لمن اعتاد النعم الكثيرة.

فكيف نبني الحضارة؟

في جميع الأحوال، لا تُبنى الحضارة إلا على ركائز قوية، لا على إنسان فارغ من الداخل، ولا على بشر يتمتعون بقشور الحضارة دون أصلها. فلا الفقر المدقع ولا الترف الفاحش يصنعان حضارة، بل التربية السليمة والتنمية والبيئة الإنسانية المعتدلة.

شاهد الحلقة كاملة على قناتي في يوتيوب، واشترك في القناة ليصلك كل جديد.

اقرأ أيضًا

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *