على بعد نحو خمسين كيلومترًا من مدينة مكسيكو، تمتد أطلال واحدة من أكبر مدن العالم القديم وأكثرها غموضًا: تيوتيهواكان. حين وصل إليها الأزتك بعد قرون من هجرها، أذهلتهم أهراماتها الضخمة وشارعها الطويل، فظنوا أنها من صنع الآلهة، وسموها «تيوتيهواكان»، أي «المكان الذي وُلدت فيه الآلهة» أو «المكان الذي يصير فيه البشر آلهة». لكن الحقيقة أن من بناها بشر، أسسوا حضارة مزدهرة كانت في ذروتها من أكبر مدن العالم. في هذا المقال نتعرف إلى هذه المدينة: نشأتها، ومعالمها، ومجتمعها، وأثرها في حضارات أمريكا الوسطى، ولغز نهايتها.
أولًا: النشأة والازدهار
بدأت تيوتيهواكان قرية زراعية في وادٍ خصب شمال شرق حوض المكسيك، ثم نمت بسرعة لافتة منذ القرن الأول قبل الميلاد. ويرجّح الباحثون أن من أسباب نموها هجرة السكان إليها بعد ثوران بركان «شيتلي» الذي دمّر مدينة كويكويلكو المنافسة في الجنوب. وبين القرنين الثالث والسادس الميلاديين بلغت المدينة ذروتها، فامتدت على مساحة تقارب عشرين كيلومترًا مربعًا، ويُقدّر عدد سكانها بنحو مئة ألف نسمة أو أكثر، وهو رقم يضعها بين أكبر مدن العالم في ذلك الزمن.
ثانيًا: المعالم الكبرى
| المعلم | وصفه |
|---|---|
| شارع الموتى | محور المدينة الرئيسي، يمتد أكثر من كيلومترين، وسماه الأزتك بهذا الاسم لظنهم أن المباني على جانبيه مقابر |
| هرم الشمس | من أكبر الأهرامات في الأمريكتين، يبلغ ارتفاعه نحو ٦٥ مترًا، وبُني فوق كهف يُرجَّح أنه كان مقدسًا |
| هرم القمر | يقع في الطرف الشمالي لشارع الموتى، وتطل ساحته على المحور كله |
| معبد الثعبان المريش | تزينه رؤوس حجرية لثعبان ذي ريش، واكتُشفت تحته نفق ومدافن طقسية |
وتكشف هندسة المدينة عن تخطيط دقيق؛ فشوارعها ومبانيها تتبع اتجاهًا موحدًا ينحرف قليلًا عن الشمال، ويرى بعض الباحثين أن لهذا الاتجاه دلالات فلكية مرتبطة بحركة الشمس.
ثالثًا: مجتمع المدينة وحياتها اليومية
من أبرز ما يميز تيوتيهواكان «المجمعات السكنية»، وهي مبانٍ كبيرة من طابق واحد تضم عائلات عديدة، يُقدّر عددها بنحو ألفي مجمع. وقد كشفت الحفريات عن أحياء خاصة بجماعات قادمة من مناطق بعيدة، مثل حي سكنه أناس من منطقة واهاكا في الجنوب، وحي آخر ارتبط بتجار من ساحل الخليج والمايا. وهذا يعني أن المدينة كانت مركزًا جاذبًا متعدد الأعراق والثقافات.
وقام اقتصاد المدينة على الزراعة والحرف، وخاصة صناعة أدوات «الأوبسيديان»، أي الزجاج البركاني الذي كان يُستخرج من مناجم قريبة ويُصدَّر إلى مناطق واسعة. كما تزين جدران المجمعات لوحات جدارية ملونة تصور آلهة ونباتات وطيورًا وطقوسًا، وهي من أجمل ما تركته المدينة.
رابعًا: نفوذ يمتد إلى أرض المايا
لم يقتصر أثر تيوتيهواكان على وادي المكسيك. فقد عُثر على عناصر من فنها وعمارتها في مدن بعيدة، أشهرها مدينة تيكال المايانية. وتذكر نقوش المايا المؤرخة بعام ٣٧٨م وصول شخصية تُدعى «سياخ كاك» إلى تيكال، ويرى كثير من الباحثين، ومنهم ديفيد ستيوارت، أنها تمثل تدخلًا مرتبطًا بتيوتيهواكان غيّر مسار الحكم هناك. وهو ما يدل على أن المدينة كانت قوة إقليمية كبرى. وقد عرضنا حضارة المايا بالتفصيل في مقال «حضارة المايا: التقويم والفلك وأسرار السقوط».
خامسًا: ألغاز لم تُحل
- الاسم واللغة: لا نعرف الاسم الذي أطلقه أهل المدينة عليها، ولا اللغة التي تحدثوا بها على وجه اليقين؛ فالاسم المعروف أزتكي جاء بعد قرون.
- نظام الحكم: على خلاف المايا، لا نجد في تيوتيهواكان صورًا واضحة لملوك أفراد، ما دفع بعض الباحثين إلى افتراض نظام حكم جماعي، دون إجماع على ذلك.
- الكتابة: عُثر على رموز وعلامات، لكنها لا تكفي لإثبات وجود نظام كتابة كامل كالذي عرفته المايا.
سادسًا: النهاية
نحو منتصف القرن السادس الميلادي، تعرضت المباني الرئيسية في وسط المدينة للحريق والتدمير، وخاصة على امتداد شارع الموتى. ويرجّح كثير من الباحثين أن ذلك كان نتيجة اضطرابات داخلية، ربما ارتبطت بأزمات اقتصادية أو بيئية، لا غزوًا خارجيًا. وبعد ذلك تراجع عدد السكان تدريجيًا، وإن ظلت أجزاء من المدينة مأهولة. ثم جاء الأزتك بعد قرون فأحاطوا الموقع بالتقديس، ونسجوا حوله أسطورة خلق الشمس والقمر.
وفي عام ١٩٨٧ أدرجت منظمة اليونسكو تيوتيهواكان في قائمة التراث العالمي، وما زالت الحفريات فيها تكشف أسرارًا جديدة حتى اليوم.
خاتمة
تيوتيهواكان مدينة عظيمة صنعها البشر، لكنها أدهشت من جاء بعدهم حتى ظنوها من صنع الآلهة. وهي تذكرنا بأن حضارات أمريكا القديمة لم تكن مجرد «أهرامات غامضة»، بل مجتمعات معقدة لها اقتصادها وتخطيطها وفنونها وعلاقاتها الواسعة. ولمعرفة المزيد عن حضارات المنطقة، اقرأ «أسرار حضارات أمريكا اللاتينية» وتابع دليل أمريكا اللاتينية.
المراجع
- Cowgill, G. L. (2015). Ancient Teotihuacan: Early Urbanism in Central Mexico. Cambridge University Press.
- Millon, R. (1973). Urbanization at Teotihuacán, Mexico, Vol. 1. Austin: University of Texas Press.
- Stuart, D. (2000). “The Arrival of Strangers: Teotihuacan and Tollan in Classic Maya History”. In D. Carrasco et al. (Eds.), Mesoamerica’s Classic Heritage. Boulder: University Press of Colorado.
- Manzanilla, L. (2015). “Cooperation and tensions in multiethnic corporate societies using Teotihuacan, Central Mexico, as a case study”. PNAS, 112(30), 9210–9215.
- Coe, M. D., & Koontz, R. (2013). Mexico: From the Olmecs to the Aztecs (7th ed.). London: Thames & Hudson.
- UNESCO World Heritage Centre. “Pre-Hispanic City of Teotihuacan” (1987).


