محمد سلطان

النظرية الواقعية في العلاقات الدولية: من ثوسيديدس إلى مورغنثاو

لا تكاد تخلو قاعة دراسية في العلوم السياسية من الحديث عن «الواقعية»، فهي أقدم مدارس العلاقات الدولية وأكثرها تأثيرًا، وقد ظلت لعقود طويلة الإطار الذي يفسّر به كثير من الباحثين وصنّاع القرار سلوك الدول. ويقوم جوهرها على فكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في نتائجها: أن العالم الدولي لا تحكمه سلطة عليا فوق الدول، وأن كل دولة تسعى قبل كل شيء إلى حماية بقائها ومصالحها، وأن القوة هي العملة الأساسية في هذا العالم. في هذا المقال نعرض جذور النظرية الواقعية، ورموزها الكبار، ومدارسها المختلفة، ثم أهم الانتقادات التي وُجهت إليها، بأسلوب أكاديمي مبسّط.

باختصار: ترى الواقعية أن النظام الدولي «فوضوي» بمعنى غياب سلطة عليا، وأن الدول هي الفاعل الرئيسي، وأن المصلحة الوطنية تُعرَّف بالقوة. وتنقسم إلى واقعية كلاسيكية (مورغنثاو) ترجع السلوك إلى طبيعة الإنسان، وواقعية جديدة (والتز) ترجعه إلى بنية النظام الدولي، ثم واقعية دفاعية وهجومية وواقعية كلاسيكية جديدة.

أولًا: الجذور الفكرية… من أثينا إلى عصر النهضة

يعود كثير من الباحثين بجذور الواقعية إلى المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس، صاحب «تاريخ الحرب البيلوبونيزية» بين أثينا وإسبرطة. فقد فسّر الحرب بالخوف الذي أثاره صعود قوة أثينا لدى إسبرطة، وسجّل في «حوار ميلوس» عبارة صارت من أشهر ما يُستشهد به في هذا الحقل، ومعناها أن الأقوياء يفعلون ما تسمح به قوتهم، والضعفاء يتحملون ما يُفرض عليهم.

ثم جاء نيكولو مكيافيلي في عصر النهضة ليفصل التحليل السياسي عن المثاليات الأخلاقية، ويدعو إلى النظر في السياسة كما هي لا كما ينبغي أن تكون. وأضاف توماس هوبز فكرة «حالة الطبيعة»، التي يعيش فيها الناس بلا سلطة تحكمهم، فيسود الخوف وانعدام الأمن. وقد نقل الواقعيون هذه الصورة إلى المستوى الدولي، فرأوا أن الدول تعيش فيما يشبه حالة الطبيعة، لأنه لا توجد حكومة عالمية فوقها.

ثانيًا: الواقعية الكلاسيكية… كار ومورغنثاو

تشكلت الواقعية بوصفها مدرسة أكاديمية حديثة في منتصف القرن العشرين، ردًّا على ما رآه أصحابها إفراطًا في المثالية بعد الحرب العالمية الأولى. ففي كتابه «أزمة العشرين عامًا» (١٩٣٩) انتقد المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار الآمال التي عُلقت على عصبة الأمم والقانون الدولي وحدهما، ودعا إلى إدراك دور القوة في السياسة الدولية.

ثم جاء هانز مورغنثاو بكتابه «السياسة بين الأمم» (١٩٤٨)، الذي صار المرجع التأسيسي للواقعية الكلاسيكية، ولخّصها في ستة مبادئ مشهورة:

  1. السياسة، كالمجتمع عمومًا، تحكمها قوانين موضوعية تعود جذورها إلى الطبيعة البشرية.
  2. المفهوم المحوري لفهم السياسة الدولية هو «المصلحة المعرَّفة بالقوة».
  3. مضمون المصلحة والقوة يتغير بحسب الظروف التاريخية، وإن بقي المفهوم ثابتًا.
  4. للأفعال السياسية بُعد أخلاقي، لكن المبادئ الأخلاقية العامة لا تُطبق على الدول كما هي، بل تُصفّى عبر ظروف الزمان والمكان، وفضيلة السياسة الكبرى هي الحكمة والحذر.
  5. لا ينبغي الخلط بين الطموحات الأخلاقية لأمة بعينها والقوانين الأخلاقية التي تحكم العالم.
  6. المجال السياسي مستقل له معاييره الخاصة، كما للاقتصاد والقانون معاييرهما.

ثالثًا: الواقعية الجديدة… من طبيعة الإنسان إلى بنية النظام

في عام ١٩٧٩ نشر كينيث والتز كتابه «نظرية السياسة الدولية»، الذي أحدث تحولًا مهمًا في المدرسة الواقعية. فبدل أن يفسّر سلوك الدول بطبيعة الإنسان الميالة إلى القوة، كما فعل مورغنثاو، فسّره ببنية النظام الدولي نفسه: نظام فوضوي بلا سلطة عليا، تتشابه وحداته في وظائفها، وتختلف في قدراتها. ومن هنا جاءت تسمية «الواقعية البنيوية» أو «الواقعية الجديدة». ويرى والتز أن هذه البنية تدفع الدول إلى الاعتماد على نفسها، وإلى السعي نحو «توازن القوى»، وأن النظام ثنائي القطبية أكثر استقرارًا من غيره.

معضلة الأمن

من أهم المفاهيم المرتبطة بالواقعية «معضلة الأمن»، التي صاغها جون هيرز عام ١٩٥٠ وطوّرها روبرت جيرفيس. ومعناها أن الخطوات التي تتخذها دولة لزيادة أمنها، كبناء القوة العسكرية، قد تراها دولة أخرى تهديدًا، فترد بخطوات مماثلة، فتنتهي الدولتان إلى وضع أقل أمنًا مما بدأتا به، رغم أن أيًّا منهما ربما لم تكن تنوي العدوان.

رابعًا: مدارس داخل الواقعية

المدرسةأبرز روادهاالفكرة الأساسية
الواقعية الكلاسيكيةكار، مورغنثاوسلوك الدول نابع من طبيعة الإنسان وسعيه إلى القوة
الواقعية الجديدة (البنيوية)كينيث والتزبنية النظام الدولي الفوضوي هي المحدد الأساسي
الواقعية الدفاعيةوالتز، جيرفيسالدول تسعى إلى الأمن الكافي لا إلى أقصى قوة
الواقعية الهجوميةجون ميرشايمرالقوى الكبرى تسعى إلى أقصى قوة ممكنة، والهيمنة الإقليمية هي الضمان
الواقعية الكلاسيكية الجديدةجديون روز وآخرونالبنية الدولية تؤثر، لكن عبر عوامل داخلية كإدراك القادة وقدرات الدولة

خامسًا: أهم الانتقادات

رغم مكانة الواقعية، فقد تعرضت لانتقادات من مدارس أخرى. فالليبراليون يرون أنها تقلل من شأن التعاون الدولي والمؤسسات والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وهي عوامل تفسر جانبًا كبيرًا من سلوك الدول المعاصرة. والبنائيون، وفي مقدمتهم ألكسندر وندت، يرون أن الفوضى الدولية ليست قدرًا ثابتًا، بل هي ما تصنعه الدول بتصوراتها وهوياتها وتفاعلاتها. ويأخذ عليها آخرون تركيزها على الدولة وإهمالها للفاعلين من غير الدول، كالمنظمات الدولية والشركات الكبرى، وقلة اهتمامها بالأبعاد الأخلاقية والثقافية. ويرد الواقعيون بأن نظريتهم لا تدّعي تفسير كل شيء، بل تقدم مفاتيح أساسية لفهم الاتجاهات العامة في السياسة الدولية.

لماذا ما زالت الواقعية مهمة؟

تكمن أهمية الواقعية في أنها تقدم أداة تحليلية واضحة لفهم كثير من الظواهر الدولية، مثل سباقات التسلح، والتحالفات، وتوازنات القوى بين الدول الكبرى. ودراستها لا تعني تبني نظرتها بالضرورة، بل فهم المنطق الذي يفكر به جانب كبير من صنّاع القرار والباحثين حول العالم، والقدرة على مقارنتها بالنظريات الأخرى كالليبرالية والبنائية، التي سنخصص لها مقالات قادمة في هذه السلسلة.

خاتمة

من ثوسيديدس إلى مورغنثاو ووالتز، قدّمت الواقعية قراءة متماسكة للعالم الدولي، تقوم على أولوية البقاء والقوة والمصلحة في عالم بلا سلطة عليا. وقد تطورت عبر قرنين من الزمان من تأمل في طبيعة الإنسان إلى تحليل لبنية النظام الدولي، ولا تزال حاضرة بقوة في النقاشات الأكاديمية. ولمن أراد التوسع، ننصح بالانطلاق من «ما هي النظرية السياسية؟» ثم متابعة دليل النظرية السياسية على الموقع، ومقالنا السابق عن الواقعية السياسية.

المراجع

  • Thucydides. History of the Peloponnesian War. Trans. R. Warner (1972). London: Penguin Classics.
  • Carr, E. H. (1939). The Twenty Years’ Crisis, 1919–1939. London: Macmillan.
  • Morgenthau, H. J. (1948). Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. New York: Knopf.
  • Herz, J. H. (1950). “Idealist Internationalism and the Security Dilemma”. World Politics, 2(2), 157–180.
  • Waltz, K. N. (1979). Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley.
  • Jervis, R. (1978). “Cooperation under the Security Dilemma”. World Politics, 30(2), 167–214.
  • Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. New York: W. W. Norton.
  • Rose, G. (1998). “Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy”. World Politics, 51(1), 144–172.
  • Wendt, A. (1992). “Anarchy is What States Make of It”. International Organization, 46(2), 391–425.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *