تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد سلطان

نيكولو مكيافيلي: هل كان شريرًا أم واقعيًا؟ قراءة في «الأمير»

قليلون هم المفكرون الذين تحوّل اسمهم إلى صفة. فكلمة «مكيافيلي» صارت في لغات كثيرة، ومنها العربية، مرادفًا للدهاء والخداع وتبرير كل وسيلة في سبيل الغاية. لكن هل يعبّر هذا الوصف الشائع عن حقيقة الرجل وفكره؟ وراء كتاب «الأمير» قصة إنسان خدم مدينته فلورنسا بإخلاص أربعة عشر عامًا، ثم فقد منصبه، وسُجن وعُذّب، وكتب كتابه الأشهر في منفاه الريفي على أمل أن يعود إلى خدمة وطنه. في هذه الحلقة الثالثة من سلسلة «أعلام الفكر السياسي» نقترب من مكيافيلي الإنسان قبل مكيافيلي الأسطورة.

بطاقة تعريف

الاسمنيكولو مكيافيلي (Niccolò Machiavelli)
الميلاد والوفاةفلورنسا ١٤٦٩ – فلورنسا ١٥٢٧
أهم مؤلفاتهالأمير، المطارحات حول تيتوس ليفيوس، فن الحرب، تاريخ فلورنسا
عملهأمين المستشارية الثانية لجمهورية فلورنسا (١٤٩٨–١٥١٢)
الفكرة في سطرالسياسة مجال له قواعده الخاصة، ويجب أن تُدرس كما هي لا كما ينبغي أن تكون.

النشأة: فلورنسا عصر النهضة

وُلد مكيافيلي عام ١٤٦٩ في فلورنسا، المدينة التي كانت يومها قلب النهضة الأوروبية، في أسرة عريقة متوسطة الحال. وكان أبوه محاميًا محبًا للكتب، فنشأ الابن على قراءة الكلاسيكيات اللاتينية، وتأثر خاصة بالمؤرخين الرومان مثل تيتوس ليفيوس. وشهد في شبابه اضطرابات سياسية كبرى، منها سقوط حكم آل ميديشي عام ١٤٩٤، وصعود الراهب سافونارولا ثم إعدامه عام ١٤٩٨.

الدبلوماسي المخلص: أربعة عشر عامًا في خدمة الجمهورية

في عام ١٤٩٨ عُيّن مكيافيلي أمينًا للمستشارية الثانية لجمهورية فلورنسا، فأصبح مسؤولًا عن جانب من الشؤون الخارجية والعسكرية. وقام بمهام دبلوماسية كثيرة إلى بلاط ملك فرنسا والإمبراطور الروماني المقدس والبابا، والتقى بشخصيات سياسية بارزة، أشهرها شيزاري بورجيا، الذي ترك انطباعًا عميقًا في نفسه بقدرته على التخطيط والتنفيذ. كما أسس ميليشيا مدنية لفلورنسا، إيمانًا منه بأن الدولة يجب أن تعتمد على جيش من مواطنيها لا على المرتزقة.

المحنة: السجن والتعذيب والمنفى

في عام ١٥١٢ عاد آل ميديشي إلى حكم فلورنسا بدعم خارجي، فسقطت الجمهورية التي خدمها مكيافيلي، وفقد منصبه. وفي أوائل عام ١٥١٣ اتُّهم بالمشاركة في مؤامرة ضد الحكام الجدد، فاعتُقل وتعرض للتعذيب، ثم أُطلق سراحه في عفو عام بعد انتخاب أحد أبناء أسرة ميديشي بابا باسم ليون العاشر. لكنه خرج مجرّدًا من عمله وموارده، فاعتزل في مزرعته الصغيرة قرب فلورنسا.

الجانب الإنساني: رسالة إلى صديق

من أجمل ما تركه مكيافيلي رسالة كتبها في ديسمبر ١٥١٣ إلى صديقه فرانشيسكو فيتوري، يصف فيها يومه في المنفى: يقضي النهار في أعمال المزرعة ولعب الورق مع أهل القرية في الحانة، فإذا جاء المساء خلع ثيابه الملطخة بالطين، ولبس ثيابًا لائقة، ودخل مكتبته ليحاور القدماء من خلال كتبهم، فينسى همومه ولا يخشى الفقر ولا الموت. وفي هذه الرسالة نفسها يخبر صديقه أنه ألّف كتيبًا عن الإمارات، هو الذي سيُعرف لاحقًا بكتاب «الأمير». وتكشف الرسالة عن رجل مثقف محب للمعرفة، يعاني الحرمان، ويتوق إلى العودة إلى العمل العام.

الدين والمعتقد

موقف مكيافيلي من الدين من أكثر جوانب فكره إثارة للنقاش. فقد انتقد في «المطارحات» الدور السياسي للكنيسة في عصره، ورأى أنها أسهمت في تفرق إيطاليا. لكنه في الوقت نفسه أكد أهمية الدين في حياة الدول، واعتبر أن احترام الدين من أقوى أسباب تماسك الجماعة وطاعة القوانين، واستشهد بتجربة روما القديمة. ويختلف الباحثون في تفسير هذا الموقف: فبعضهم يرى فيه نظرة نفعية إلى الدين، وبعضهم يراه نقدًا لاستغلال الدين في السياسة لا للدين ذاته.

الأفكار الكبرى في «الأمير»

١. السياسة كما هي لا كما ينبغي أن تكون

يعلن مكيافيلي في «الأمير» أنه يريد أن يكتب عن «الحقيقة الفعلية للأمور» لا عن تصورات متخيلة لجمهوريات وإمارات لم توجد قط. وبهذا يُعد من رواد التفكير السياسي الواقعي، وهو ما يربطه بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي عرضناها في مقال «النظرية الواقعية».

٢. الفضيلة والحظ

يميز مكيافيلي بين «الفيرتو» (virtù)، وهي قدرة الحاكم وحنكته وشجاعته، و«الفورتونا» (fortuna)، أي الحظ والظروف المتقلبة. ويرى أن الحظ يتحكم في نصف أفعالنا تقريبًا، ويترك لنا النصف الآخر، وأن الحاكم الماهر هو من يستعد للتقلبات ويغتنم الفرص.

٣. هل الأفضل أن يُحَب الحاكم أم أن يُهاب؟

يجيب مكيافيلي بأن الأفضل أن يجمع الأمرين، فإن تعذّر ذلك فالمهابة أضمن من المحبة، لكنه يشترط أن يتجنب الحاكم أن يكون مكروهًا، وأن يبتعد عن أموال الناس وأعراضهم.

٤. هل قال إن «الغاية تبرر الوسيلة»؟

هذه العبارة الشائعة لا ترد بنصها في «الأمير»، وإنما هي تلخيص متداول لأفكاره. فهو يرى أن الحاكم قد يضطر في ظروف الضرورة إلى أفعال لا تقرها الأخلاق المعتادة، حفاظًا على الدولة، وأن الناس يحكمون على النتائج. ويبقى هذا الجانب أكثر جوانب فكره إثارة للنقد.

ما له وما عليه: قراءات متعارضة

القراءةمضمونها
القراءة الأخلاقية الناقدةرأى ليو شتراوس في مكيافيلي «معلّمًا للشر» فصل السياسة عن الأخلاق
القراءة الجمهوريةرأى روسو أن «الأمير» كتاب للجمهوريين، يكشف أساليب الطغاة للشعوب
القراءة التعدديةرأى إشعيا برلين أن مكيافيلي كشف تعارضًا حقيقيًا بين أخلاق الفرد وضرورات الدولة
القراءة التاريخيةيقرؤه كوينتن سكينر في سياق فلورنسا وأزماتها وتقاليد الكتابة السياسية في عصره

والأرجح أن فهم مكيافيلي يقتضي الجمع بين قراءة نصوصه في سياقها التاريخي، ونقدها أخلاقيًا في الوقت نفسه. فقد كان كاتب «الأمير» أيضًا مؤلف «المطارحات» التي تدافع عن الحكم الجمهوري وحرية المواطنين.

أثره اليوم

يُعد مكيافيلي عند كثير من الباحثين مؤسس الفكر السياسي الحديث، لأنه نقل التفكير في السياسة من سؤال «ما الحكم المثالي؟» إلى سؤال «كيف تعمل السلطة فعلًا؟». ولا يزال «الأمير» من أكثر الكتب السياسية قراءة في العالم، يقرؤه الطلاب والباحثون، وتُناقش أفكاره في علم السياسة والإدارة والأخلاق.

خاتمة

لم يكن مكيافيلي شيطانًا كما صوّرته الأسطورة، ولا قديسًا كما حاول بعض المدافعين عنه، بل كان موظفًا مخلصًا لمدينته، ومفكرًا جريئًا، وإنسانًا عرف السجن والفقر والمنفى، فكتب عن السلطة بعين من رآها من الداخل. وقيمته الكبرى أنه طرح أسئلة صعبة عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة، ما زالت تشغلنا إلى اليوم. اقرأ الحلقات السابقة عن أفلاطون وابن خلدون، وتابع دليل النظرية السياسية.

المراجع

  • Machiavelli, N. (1532). Il Principe. Firenze: Antonio Blado. (ترجمات عربية متعددة).
  • Machiavelli, N. Discorsi sopra la prima deca di Tito Livio (1531).
  • Machiavelli, N. Letter to Francesco Vettori, 10 December 1513. In J. B. Atkinson & D. Sices (Eds.), Machiavelli and His Friends: Their Personal Correspondence (1996). Northern Illinois University Press.
  • Skinner, Q. (1981). Machiavelli: A Very Short Introduction. Oxford University Press.
  • Strauss, L. (1958). Thoughts on Machiavelli. Glencoe, IL: Free Press.
  • Berlin, I. (1972). “The Originality of Machiavelli”. In M. Gilmore (Ed.), Studies on Machiavelli. Florence: Sansoni.
  • Viroli, M. (2000). Niccolò’s Smile: A Biography of Machiavelli. New York: Farrar, Straus and Giroux.

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *