يعود الشيخ عبد الواحد يحيى، رينيه جينو، في كثير من كتاباته إلى فكرة محورية: أن تاريخ البشرية لا يسير صعودًا مستمرًا كما تفترض فكرة التقدم الحديثة، بل يتحرك في دورات تبدأ بالكمال ثم تنحدر تدريجيًا. وتنطبق هذه الفكرة عنده على العلم نفسه: فقد بدأ العلم في صورته الأولى معرفة مقدسة متصلة بالله، ثم أخذ ينحدر حتى صار في العصر الحديث معرفة مادية جافة، مجزأة، منقطعة عن أي رؤية كلية. في هذا المقال نشرح هذا التصور، ونعرض مراتب العلوم كما فهمها جينو، ونقرأها في ضوء التراث الإسلامي.
أولًا: البداية من الكمال
ينطلق التصور الذي نعرضه في الفيديو من مسلّمة قرآنية: أن الله تعالى «علّم آدم الأسماء كلها» (البقرة: ٣١). فإذا فُهمت الأسماء بأنها أصول المعارف، كانت العلوم قد بدأت مع أبي البشر في صورتها الأكمل، ثم تفرقت في الأنبياء من بعده، وجمعها النبي محمد ﷺ بوصفه الإنسان الكامل. ووفق هذا التصور، بدأ العالم في أبهى صوره، نقطة بيضاء مشرقة في التاريخ، ثم أخذ ينحدر.
ويستشهد هذا التصور بنصوص نبوية تعبّر عن فكرة الكمال الأول ثم التغير بفعل الذنوب. فقد روى الترمذي أن النبي ﷺ قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم». وفي حديث آخر رواه الترمذي وابن ماجه أن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر صُقل قلبه. فالقلب أبيض في أصله، والاستغفار يعيده إلى صفائه.
ثانيًا: الانحدار الزمني… «الدنيا» من الدنو
كلما ابتعد الإنسان زمنيًا عن مرحلة الكمال والقرب من المقدس، انحدر نحو الأسفل. ويلفت الفيديو إلى معنى لغوي لطيف: فالدنيا من «الدنو»، أي القرب والانخفاض. والسقوط فيها يشبه السقوط الحر في الفيزياء؛ كلما اقترب الجسم من الأرض ازدادت سرعته. وهكذا يتسارع الانحدار كلما اقتربنا من نهاية الدورة، وقد عرضنا هذا المعنى وعلاقته بالأحاديث الصحيحة عن آخر الزمان في مقال «العصر المظلم: نبوءة رينيه جينو».
ثالثًا: العلم المقدس… حين كانت غاية العلم العبودية
في صورتها الأصلية، كانت العلوم في الحضارات كلها ذات طبيعة واحدة: علومًا ربانية غايتها النهائية العبودية لله، وإن قدّمت للإنسان خدمات عملية. ولم يكن العلم القديم يفصل فصلًا حادًا بين المادة ومعناها، بل كان ينظر إلى الكون بوصفه عالمًا حيًّا له قوانينه، مستحضرًا قوله تعالى: «وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» (الإسراء: ٤٤).
ولهذا كانت الكيمياء القديمة تنظر إلى التفاعلات من جهتين: جهة التفاعل المادي، وجهة المعنى والدلالة. ومن المهم هنا التوضيح، على النهج الأزهري المعتدل، أن الأشياء لا تنفع ولا تضر بذاتها، وأن النافع الضار هو الله وحده، وأن الأسباب أدوات لا فاعل حقيقي غيره سبحانه. والمقصود بهذا التصور ليس الدعوة إلى التنجيم أو اعتقاد تأثير الكواكب، بل نقد النظرة التي ترى الحجر مجرد عدد من الذرات، دون أي التفات إلى كونه مخلوقًا يسبّح بحمد خالقه.
رابعًا: مراتب العلوم الثلاث
| المرتبة | مصدرها | طبيعتها |
|---|---|---|
| العلوم الوهبية (اللدنية) | عطاء من الله لمن يشاء | أعلى المراتب، ويشير إليها قوله تعالى: «واتقوا الله ويعلّمكم الله» |
| العلوم الإلهامية | ما يُلقى في القلب من فهم وبصيرة | دون الأولى، ولا تكون مصدرًا للتشريع |
| العلوم العقلية | الملاحظة والتجربة والتكرار واستخراج الأنماط | الأدنى رتبة لتفاوت العقول فيها، مع عظيم نفعها |
ويستشهد الفيديو للمرتبة الثانية بحديث الصحابي الذي رقى لديغًا بسورة الفاتحة، والقصة في صحيح البخاري من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيها أقرّ النبي ﷺ فعله. ومن المهم التنبيه إلى أن الإلهام عند أهل السنة لا يكون حجة في الأحكام الشرعية، ولا يُقدَّم على الكتاب والسنة، وإنما هو فهم يفتح الله به على من يشاء في إطار الشرع.
أما تقديم العلوم العقلية في المرتبة الأدنى، فلا يعني التقليل من شأنها أو نفعها، فهي أساس الطب والهندسة وسائر العلوم التي ينتفع بها الناس. وإنما المقصود أنها تقوم على العقل الإنساني الذي تتفاوت فيه الأفهام، فهي أكثر عرضة للخطأ والتغير من المعرفة التي مصدرها الوحي.
خامسًا: أزمة العلم الحديث… التجزئة
ما أبرز سمات العلوم الحديثة؟ إنها التجزئة. فقد غابت الرؤية الكلية التي عرفتها الحضارات القديمة، وصار العلم ينقسم باستمرار إلى تخصصات دقيقة، دون أن يُربط بالصورة الكبرى. ثم نتساءل: لماذا نشعر بنقص ما رغم التقدم العلمي الهائل؟ والجواب في رأي جينو أن العلم الحديث ينقسم أحيانًا من أجل الانقسام لا من أجل المعرفة.
ولهذا فإن أفضل الأبحاث في العالم الحديث هي تلك التي تدرس مسألة محددة، ثم تربطها بالرؤية الكلية. والتخصص في ذاته أمر محمود، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل باحث: كيف يتصل ما أدرسه بالصورة الكاملة؟ وقد ناقشنا هذا المعنى من زاوية أخرى في مقال «رينيه جينو وأزمة البحث العلمي».
سادسًا: جينو والفلسفة
من النقاط التي قد تفاجئ بعض القراء أن جينو كان ناقدًا للفلسفة الحديثة، ويراها معرفة عقلية أدنى رتبة من «الحكمة» بمعناها الأصيل، أي المعرفة المتصلة بالمبادئ العليا. ولهذا لم يكن يقدّم نفسه فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمي الحديث، بل منظّرًا للميتافيزيقا التقليدية، وهو ما شرحناه في مقال ملخص «أزمة العالم الحديث».
خاتمة
يقدّم جينو في هذا التصور رؤية تعيد ترتيب علاقتنا بالمعرفة: فالعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل له مراتب ومصادر وغايات. وانحداره من المعرفة الإلهية إلى المادية الجافة ليس قدرًا لا يُرد، بل دعوة إلى استعادة الرؤية الكلية التي تربط الجزئي بالكلي، والمادي بالمعنوي، والعلم بغايته. ويبقى التنبيه الذي ختمنا به الفيديو: أن هذه العلوم الرفيعة لا تُؤخذ إلا عن أهلها المتخصصين، وأن الحديث عنها لا يغني عن طلبها بطرقها الصحيحة. للمزيد، تابع دليل رينيه جينو.
المراجع
- القرآن الكريم: البقرة ٣١، البقرة ٢٨٢، الإسراء ٤٤.
- الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي، أبواب الحج (حديث الحجر الأسود)، وأبواب التفسير (حديث النكتة السوداء).
- البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب الإجارة وكتاب الطب (حديث الرقية بالفاتحة).
- Guénon, R. (1927). La Crise du monde moderne. Paris: Bossard. (الفصل الرابع: «Science sacrée et science profane»).
- Guénon, R. (1945). Le Règne de la quantité et les signes des temps. Paris: Gallimard.
- Nasr, S. H. (1968). Science and Civilization in Islam. Cambridge, MA: Harvard University Press.


