قلّما نجد مفكرًا سياسيًا يُذكر اسمه كلما ذُكرت فكرة واحدة كما يُذكر مونتسكيو مع «الفصل بين السلطات». لكن هذا النبيل الفرنسي لم يكن صاحب فكرة واحدة؛ فقد كان قاضيًا، ومزارعًا يملك كرومًا واسعة، ورحّالة جاب أوروبا سنوات طويلة، وأديبًا كتب رواية ساخرة نشرها دون اسمه، ثم أمضى عشرين عامًا في تأليف كتاب واحد صار من أعظم كتب الفكر السياسي. في هذه الحلقة من سلسلة «أعلام الفكر السياسي» نتعرف إلى مونتسكيو الإنسان، ونعرض أفكاره الكبرى، ونقيّمها بإنصاف.
أولًا: النشأة… نبيل من بوردو
وُلد مونتسكيو في ١٨ يناير ١٦٨٩ في قصر «لا بريد» قرب مدينة بوردو بجنوب غرب فرنسا، لأسرة من صغار النبلاء. ويُروى أن والديه اختارا له عرّابًا من فقراء القرية، ليتذكر طوال حياته أن الفقراء إخوته. درس القانون، وورث عام ١٧١٦ عن عمه لقب «البارون دي مونتسكيو» ومنصب رئيس في برلمان بوردو، وهو محكمة عليا في النظام الفرنسي آنذاك.
وتزوج عام ١٧١٥ من جان دي لارتيغ، وكانت بروتستانتية في بلد كاثوليكي، وأنجب منها ثلاثة أبناء. وكان مونتسكيو مهتمًا بإدارة أملاكه وكرومه بنفسه، ويفخر بجودة نبيذه الذي كان يُصدَّر إلى إنجلترا.
ثانيًا: «الرسائل الفارسية»… الشهرة المفاجئة
في عام ١٧٢١ نشر مونتسكيو دون اسمه رواية في شكل رسائل بعنوان «الرسائل الفارسية»، يتخيل فيها مسافرين من بلاد فارس يزوران فرنسا ويكتبان إلى أهلهما عن عادات الفرنسيين وكنيستهم وحكومتهم بعين الغريب المندهش. وكانت الرواية في حقيقتها نقدًا ساخرًا للمجتمع الفرنسي نفسه، فلاقت نجاحًا هائلًا، وصار مؤلفها من أشهر كتّاب عصره.
ثالثًا: سنوات السفر
شعر مونتسكيو أن عمل القضاء لا يناسبه، فباع منصبه عام ١٧٢٦، وانتُخب عضوًا في الأكاديمية الفرنسية عام ١٧٢٨. ثم بدأ رحلة طويلة دامت نحو ثلاث سنوات، زار فيها النمسا والمجر وإيطاليا وألمانيا وهولندا، وأقام في إنجلترا قرابة عامين. وهناك درس النظام الإنجليزي عن قرب، وحضر جلسات البرلمان، وانتُخب عضوًا في «الجمعية الملكية» العلمية. وقد تركت هذه التجربة أثرًا عميقًا في فكره.
رابعًا: «روح القوانين»… عشرون عامًا في كتاب
بعد عودته، انكب مونتسكيو على مشروعه الكبير، حتى نشر عام ١٧٤٨ في جنيف، ودون اسمه أيضًا، كتاب «روح القوانين». وقد أمضى في إعداده نحو عشرين عامًا، حتى ضعف بصره كثيرًا، وصار يستعين بمن يقرأ له ويكتب عنه. وانطلق في الكتاب من فكرة أن القوانين ليست قواعد اعتباطية، بل لها «روح»، أي علاقات منطقية تربطها بطبيعة الحكومة، وبمناخ البلد، وبدين أهله، وتجارتهم، وعاداتهم.
أنواع الحكومات ومبادئها
| نوع الحكومة | تعريفها عند مونتسكيو | المبدأ الذي تقوم عليه |
|---|---|---|
| الجمهورية | حكم الشعب كله أو جزء منه | الفضيلة، أي حب الوطن والمساواة |
| الملكية | حكم فرد وفق قوانين ثابتة | الشرف |
| الاستبداد | حكم فرد بلا قانون ولا قاعدة | الخوف |
توزيع السلطات
وفي الفصل الشهير من الكتاب الحادي عشر، ميّز مونتسكيو بين ثلاث وظائف للدولة: وظيفة التشريع، ووظيفة التنفيذ، ووظيفة القضاء. ورأى أن الحرية تتعرض للخطر إذا اجتمعت هذه الوظائف كلها في يد جهة واحدة. ولخص فكرته في عبارة صارت مشهورة: لكي لا يُساء استعمال السلطة، ينبغي أن «توقف السلطةُ السلطةَ»، أي أن توزَّع بين جهات تراقب كل منها الأخرى وتحدّ من تجاوزها. وقد عرضنا مفهوم الدولة ووظائفها في مقال «مفهوم الدولة».
المناخ والقوانين
ومن الأفكار المثيرة في الكتاب ربطه بين المناخ وطباع الشعوب وقوانينها؛ فقد رأى أن البيئة الجغرافية تؤثر في أخلاق الناس، وبالتالي في القوانين المناسبة لهم. وهي فكرة نجد لها جذورًا أقدم عند ابن خلدون الذي ربط بين الأقاليم وأحوال أهلها، كما بيّنا في مقال «ابن خلدون».
خامسًا: الدين والرقابة
كان مونتسكيو كاثوليكيًا، لكنه نظر إلى الدين نظرة اجتماعية، فدرس أثر الأديان في القوانين والأخلاق، ودعا إلى التسامح. ولهذا أثار كتابه اعتراضات من بعض رجال الكنيسة، فكتب «دفاعًا عن روح القوانين» (١٧٥٠)، ومع ذلك أُدرج الكتاب في قائمة الكتب الممنوعة عام ١٧٥١. وتوفي في باريس في ١٠ فبراير ١٧٥٥، وقيل إنه تلقى الأسرار الكنسية الأخيرة قبل وفاته.
سادسًا: الأثر والانتقادات
كان لمونتسكيو أثر واسع في الفكر الدستوري، حتى إن جيمس ماديسون وصفه في «الأوراق الفيدرالية» بأنه «مونتسكيو الشهير» حين ناقش توزيع السلطات. لكن أفكاره تعرضت لانتقادات عدة:
- رأى بعض المؤرخين أنه قدّم صورة مثالية للنظام الإنجليزي لا تطابق واقعه تمامًا في زمنه.
- انتُقدت نظريته في المناخ بوصفها مبالغة في الحتمية الجغرافية، تتجاهل قدرة المجتمعات على التغير.
- ولاحظ باحثون أن حديثه عن «الاستبداد الشرقي» اعتمد على روايات الرحالة وتصورات نمطية سادت في عصره، أكثر من اعتماده على معرفة دقيقة بتلك المجتمعات.
| ما يُحسب له | ما يُؤخذ عليه |
|---|---|
| منهج مقارن يربط القوانين بالبيئة والمجتمع | حتمية جغرافية مبالغ فيها |
| صياغة واضحة لفكرة توزيع السلطة ومراقبتها | صورة مثالية لبعض النماذج الأوروبية |
| الدعوة إلى الاعتدال والتسامح | تصورات نمطية عن الشعوب البعيدة |
خاتمة
كان مونتسكيو قاضيًا أحب الحرية، ورحالة أحب أن يفهم الشعوب، وعالمًا أراد أن يكتشف المنطق الخفي وراء القوانين. وتبقى فكرته الأساسية، أن السلطة تحتاج إلى توازن ورقابة كي لا تنحرف، من أكثر الأفكار حضورًا في الفكر السياسي الحديث. وفي الحلقة السابقة من السلسلة تناولنا «جون لوك»، ولفهم الإطار النظري الأوسع اقرأ «نظرية العقد الاجتماعي».
المراجع
- Montesquieu (1721). Lettres persanes. Amsterdam.
- Montesquieu (1748). De l’esprit des lois. Genève: Barrillot.
- Montesquieu (1750). Défense de l’Esprit des lois. Genève.
- Shackleton, R. (1961). Montesquieu: A Critical Biography. Oxford University Press.
- Shklar, J. N. (1987). Montesquieu. Oxford University Press.
- Madison, J. (1788). “The Federalist No. 47”. In The Federalist Papers.
- Vile, M. J. C. (1967). Constitutionalism and the Separation of Powers. Oxford: Clarendon Press.


