لماذا تنجح المؤسسات السياسية نفسها في بلد، وتتعثر في بلد آخر؟ ولماذا يتعامل مواطنو مجتمع ما مع السلطة والمشاركة والقانون بطريقة تختلف عن مواطني مجتمع آخر؟ من أهم المفاهيم التي طورها علم السياسة للإجابة عن هذه الأسئلة مفهوم «الثقافة السياسية» (Political Culture). فالسياسة ليست مؤسسات ودساتير وقوانين فقط، بل هي أيضًا قيم ومعتقدات واتجاهات يحملها الناس في عقولهم ونفوسهم، وتؤثر في طريقة تفاعلهم مع النظام السياسي. في هذا المقال، المبني على الفيديو المرفق، نعرض تعريف الثقافة السياسية، وأنواعها، وأهم سماتها، وعلاقتها بالاستقرار السياسي.
أولًا: تعريف الثقافة السياسية
تتعدد تعريفات الثقافة السياسية، لكن أشهرها أنها «مجموعة القيم والمعتقدات والاتجاهات المتعلقة بالسلطة وممارستها». أي أنها الجانب النفسي والمعنوي من السياسة: كيف ينظر الناس إلى الدولة؟ هل يثقون بمؤسساتها؟ هل يرون أن لهم دورًا في الشأن العام؟ وما تصورهم عن الحاكم والقانون والواجب والحق؟
ويرتبط المفهوم في صورته الحديثة بعالمي السياسة الأمريكيين غابرييل ألموند وسيدني فيربا، اللذين نشرا عام ١٩٦٣ دراستهما الشهيرة «الثقافة المدنية» (The Civic Culture)، وقارنا فيها بين خمس دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والمكسيك. وقد عرّفا الثقافة السياسية بأنها توزيع أنماط التوجهات نحو الموضوعات السياسية بين أفراد المجتمع.
وتختلف المدارس في التركيز على أبعاد المفهوم؛ فبعض التعريفات تركز على الجانب القيمي والمعنوي، أي الأفكار والمشاعر والرموز، وبعضها الآخر يضيف إليه الجانب المادي، أي الممارسات والسلوكيات والمؤسسات التي تجسد هذه القيم في الواقع.
ثانيًا: أنواع الثقافة السياسية
تصنيف ألموند وفيربا
| النمط | سماته | علاقة الفرد بالنظام |
|---|---|---|
| الثقافة الضيقة (المحدودة) | ضعف الوعي بالنظام السياسي الوطني، والارتباط بالجماعة المحلية | الفرد لا يكاد يدرك وجود النظام أو تأثيره في حياته |
| الثقافة الخضوعية (التابعة) | وعي بالنظام ومخرجاته، مع ضعف الشعور بالقدرة على التأثير فيه | الفرد متلقٍّ لقرارات السلطة |
| الثقافة المشاركة | وعي بالنظام، وإيمان بإمكانية التأثير فيه عبر القنوات المتاحة | الفرد فاعل ومشارك في الشأن العام |
ويؤكد ألموند وفيربا أن هذه الأنماط لا توجد في الواقع نقية، بل تمتزج في كل مجتمع بنسب مختلفة، وأن ما سمياه «الثقافة المدنية» هو مزيج متوازن منها، يجمع بين المشاركة والثقة والاحترام للسلطة.
الثقافة العامة والثقافات الفرعية
وفي كل مجتمع توجد ثقافة سياسية عامة، تمثل القيم المشتركة التي يجتمع عليها الجميع تقريبًا. لكن إذا نظرنا إلى المجتمع بعدسة مكبرة، سنجد داخله مجموعة من الثقافات الفرعية، التي قد تختلف كثيرًا فيما بينها، بحسب أعمار المواطنين، وجنسهم، وانتماءاتهم الاجتماعية، وأقاليمهم، ومستوياتهم التعليمية. فثقافة الشباب السياسية قد تختلف عن ثقافة كبار السن، وثقافة سكان المدن قد تختلف عن ثقافة سكان الريف.
ثالثًا: سمات الثقافة السياسية
١. الثبات النسبي
من أهم سمات الثقافة السياسية أنها تتغير ببطء شديد، وعلى فترات طويلة المدى. فقد تبقى ثقافة مجتمع ما ثابتة في ملامحها الأساسية خمسين عامًا أو أكثر، رغم تغير الحكومات والأحداث. ولهذا فإن تغيير الثقافة السياسية لا يتم بقرار أو قانون، بل يحتاج إلى أجيال من التعليم والتنشئة.
٢. التكيف مع خصوصية المجتمع
والثقافة السياسية تتلاءم مع المجتمع وظروفه. فلكل مجتمع خصوصيته التي تشكلها عوامل جغرافية واقتصادية ودينية وتعليمية وتاريخية. ولهذا لا يصح أن ندرس ثقافة مجتمع ما بمقاييس مجتمع آخر، ولا أن ننقل نماذج جاهزة دون مراعاة هذه الخصوصية.
٣. التأثير في الاستقرار والتكامل السياسي
وللثقافة السياسية أثر مباشر في الاستقرار السياسي وفي التكامل الوطني، أي شعور مكونات المجتمع المختلفة بالانتماء إلى كيان واحد. فإذا ضعفت القيم المشتركة، وتعمقت الفجوة بين الثقافات الفرعية، قد يتعرض المجتمع لاضطرابات، أخطرها الصراعات الأهلية التي تُعد أخطر مؤشرات غياب الاستقرار.
رابعًا: كيف تتشكل الثقافة السياسية؟
تتشكل الثقافة السياسية عبر ما يسميه علماء السياسة «التنشئة السياسية»، وهي العملية التي يكتسب بها الفرد قيمه واتجاهاته السياسية منذ طفولته. ومن أهم مؤسساتها: الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والأصدقاء، وبيئة العمل. ولهذا فإن الاهتمام بالتعليم والإعلام الرصين من أهم أدوات بناء ثقافة سياسية واعية ومسؤولة.
خامسًا: فكرة قديمة بمصطلح حديث
ورغم أن المصطلح حديث، فإن الفكرة قديمة جدًا. فقد لاحظ أفلاطون وأرسطو أن طبيعة نظام الحكم ترتبط بأخلاق المواطنين وطباعهم، وربطا بين تدهور أخلاق المجتمع واضطراب أوضاع أثينا، كما بيّنا في مقال «أفلاطون: حياته ومحنته وفكره السياسي». وفي التراث العربي، تحدث ابن خلدون عن «العوائد» وأثرها في الدول والعمران، وعن أن «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب».
سادسًا: انتقادات المفهوم
تعرض مفهوم الثقافة السياسية لانتقادات، أبرزها أن دراسة ألموند وفيربا انطلقت من النموذج الأنجلو-أمريكي بوصفه المثال الأعلى، وأن المفهوم قد يُستعمل أحيانًا لتفسير كل شيء بالثقافة، مع إهمال العوامل الاقتصادية والمؤسسية. وقد أعاد ألموند وفيربا أنفسهما النظر في بعض استنتاجاتهما في كتاب «الثقافة المدنية بعد مراجعتها» (١٩٨٠)، كما طوّر باحثون لاحقون، مثل رونالد إنغلهارت، دراسات أوسع للقيم في عشرات الدول.
خاتمة
الثقافة السياسية مفتاح لفهم ما وراء المؤسسات والقوانين، فهي التي تحدد كيف يعيش الناس السياسة في حياتهم اليومية. ودراستها تساعدنا على فهم مجتمعاتنا بخصوصيتها، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة. للمزيد، اقرأ «مدخل شامل إلى العلوم السياسية» وتابع دليل النظرية السياسية.
المراجع
- Almond, G. A., & Verba, S. (1963). The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton University Press.
- Almond, G. A., & Verba, S. (Eds.). (1980). The Civic Culture Revisited. Boston: Little, Brown.
- Pye, L. W., & Verba, S. (Eds.). (1965). Political Culture and Political Development. Princeton University Press.
- Inglehart, R. (1997). Modernization and Postmodernization. Princeton University Press.
- Almond, G. A., Powell, G. B., et al. (2008). Comparative Politics Today (9th ed.). New York: Pearson.
- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة.


