«وفوق كل ذي علم عليم». بهذه الآية الكريمة يمكن أن نلخص درسًا يتعلمه كل باحث بالتجربة: لا يوجد إنسان يمتلك المعرفة كاملة، وكلما ظن الإنسان أنه أحاط بشيء، ظهر له من هو أعلم منه وما هو أبعد مما عرف. وقد انطلقنا في الفيديو المرفق من ملاحظة واقعية من محاضرات عن مناهج البحث العلمي حضرها باحثون من بلدان عربية وأفريقية مختلفة، ولفتت انتباهنا فكرة متكررة في جامعات كثيرة: أن على العلوم الاجتماعية والإنسانية أن تقلّد العلوم الطبيعية في مناهجها ومسلّماتها. في هذا المقال نناقش هذه الفكرة، ونعرض كيف تنبّه رينيه جينو مبكرًا إلى حدود العلم الحديث حين يُختزل في القياس الكمي وحده.
أولًا: من أين جاءت فكرة تقليد العلوم الطبيعية؟
تعود الدعوة إلى محاكاة العلوم الطبيعية في العلوم الاجتماعية، بصورتها الحديثة، إلى منتصف القرن العشرين مع ما عُرف بـ«الثورة السلوكية» في العلوم السياسية والاجتماعية، وإن كانت لها جذور أقدم. وقد عرضنا هذه الثورة في مقال «مدخل شامل إلى العلوم السياسية». والحق أن لأصحاب هذه المدرسة مبررات قوية، أهمها شكواهم من غياب الضبط العلمي، وأن كل باحث كان يضع النظريات بحسب رأيه، فتختلف التفسيرات والنتائج حول الظاهرة الواحدة.
ومن هنا جاءت المقارنة بين «القانون» و«النظرية». فالجاذبية الأرضية قانون ثابت؛ قيمتها واحدة تقريبًا على الجبل وفي الوادي، في مصر وفي ليبيا وعند الإسكيمو، وتسقط عليها الكرة وقطعة الحديد واللعبة البلاستيكية بالقيمة نفسها. أما في العلوم الإنسانية فلا نجد هذا الثبات، وتبقى قدرتنا على التنبؤ بالظواهر الاجتماعية محدودة مقارنة بالعلوم الطبيعية.
ثانيًا: أين المشكلة إذن؟
تكمن المشكلة في افتراضين لا يُناقشان عادة. الأول: من قال إن العلوم الطبيعية هي العامل المهيمن والحاكم على العلم كله؟ والثاني: من قال إن العلوم الطبيعية بصورتها الحالية قد كشفت أسرار الطبيعة كلها؟ فالقوانين المكتشفة قليلة نسبيًا، وما ظنناه قواعد نهائية احتاج أحيانًا إلى مراجعة، وقد بيّن فلاسفة العلم المعاصرون، مثل كارل بوبر وتوماس كون، أن المعرفة العلمية نفسها قابلة للتصحيح والتغير.
ثم إن طبيعة موضوع الدراسة مختلفة جذريًا. فتخيل أن لدينا قوانين ونظريات وُضعت لدراسة الإنسان، ثم أردنا أن نطبقها على الصخور في الجيولوجيا أو المواد في الهندسة المدنية؛ سنرى فورًا أن ذلك لا يستقيم. والعكس صحيح أيضًا: فالإنسان كائن له إرادة ومعنى وقيم، ولا يمكن دراسته بالأدوات نفسها التي ندرس بها المادة الجامدة.
| وجه المقارنة | العلوم الطبيعية | العلوم الاجتماعية والإنسانية |
|---|---|---|
| موضوع الدراسة | المادة والظواهر الطبيعية | الإنسان والمجتمع والمعنى |
| الثبات | قوانين ثابتة في ظروف محددة | ظواهر تتأثر بالثقافة والإرادة والتاريخ |
| القياس | كمي دقيق في الغالب | كمي وكيفي معًا |
| التنبؤ | مرتفع ضمن متغيرات مضبوطة | محدود ونسبي |
ثالثًا: ماذا قال رينيه جينو؟
من أفضل من تكلم في هذه القضية الفيلسوف الفرنسي رينيه جينو، الشيخ عبد الواحد يحيى، لأنه جاء من خلفية علمية متينة. فقد درس الرياضيات، وكتب كتابًا بعنوان «المبادئ الميتافيزيقية لحساب التفاضل والتكامل» (١٩٤٦)، ناقش فيه البعد الميتافيزيقي لمفاهيم رياضية مثل النهايات واللانهاية، كاقتراب المتغير من الصفر دون أن يبلغه. وهو كتاب يحتاج قارئه إلى معرفة رياضية جيدة ليتابعه.
وقد أراد جينو بهذا الكتاب، في تقديرنا، أن يثبت لمن يتحدثون باسم الحداثة والعلم أنه يملك الأدوات نفسها التي يتحدثون بها، وأنه لا يتكلم عن خرافات أو دجل أو استحضار أرواح، بل عن ميتافيزيقا حقيقية بالمعنى العلمي القديم. وفي كتابه «هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان» (١٩٤٥) بيّن أن العلم الحديث يميل إلى اختزال كل شيء في الكمّ القابل للقياس، فيُسقط من حسابه الكيف والمعنى والقيمة، وهو ما يجعله ناقصًا حين يدّعي تفسير الوجود كله.
رابعًا: أسئلة مفتوحة أمام العلم
يطرح الفيديو أمثلة يتساءل فيها الناس عن حدود ما نعرفه، مثل بعض تفاصيل بناء الأهرامات وتقنيات التحنيط في مصر القديمة. وللإنصاف العلمي ينبغي أن نوضح أن علماء المصريات قدّموا تفسيرات مدعومة بالأدلة لكثير من هذه المسائل، كاستخدام المنحدرات والروافع في البناء، ووصف مراحل التحنيط في نصوص قديمة ودراسات حديثة، وإن ظلت بعض التفاصيل محل نقاش وبحث. والدرس الذي نريده هنا ليس التشكيك في العلم، بل التذكير بأن المعرفة الإنسانية تتطور، وأن فكرة التقدم الخطي المستمر من الجهل إلى العلم تحتاج إلى مراجعة، كما نبّه جينو في حديثه عن علوم قديمة ضاعت ولم تصلنا كاملة.
خامسًا: العالِم الحقيقي ومستهلك المعرفة
من النقاط المهمة في الفيديو التمييز بين من يحمل شهادة علمية ومن يمتلك خبرة بحثية حقيقية واكتشافات وأطروحات يؤكدها العلم. فالشهادة تعني أنك درست مسألة علمية محددة إلى حدّ معين في سياق معين، ولا تجعلك تلقائيًا متحدثًا رسميًا باسم العلم كله. وهذا ينطبق على أنصار «العلم الزائف» كما ينطبق على كثير ممن يرددون مقولات العلم التقليدي دون فهم. وجينو نفسه كان واضحًا في رفض العلم الزائف، لكنه كان يرفض أيضًا غرور الإنسان الحديث الذي يظن أنه أحاط بكل شيء.
خاتمة
ليست الدعوة هنا إلى هدم مناهج البحث العلمي، بل إلى استعمالها بوعي: أن نأخذ من العلوم الطبيعية دقتها وصرامتها، وأن نحترم في الوقت نفسه خصوصية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأن نتذكر أن العلم كله، طبيعيًا كان أو إنسانيًا، ما زال أمامه فضاء واسع للاكتشاف. وهذا هو جوهر التواضع المعرفي الذي دعا إليه جينو، والذي نجده قبل ذلك في قوله تعالى: «وفوق كل ذي علم عليم». للمزيد، اقرأ «هل كان رينيه جينو يرفض الطب والتكنولوجيا؟» وتابع دليل رينيه جينو.
المراجع
- القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية ٧٦.
- Guénon, R. (1945). Le Règne de la quantité et les signes des temps. Paris: Gallimard.
- Guénon, R. (1946). Les Principes du calcul infinitésimal. Paris: Gallimard.
- Guénon, R. (1927). La Crise du monde moderne. Paris: Bossard.
- Dahl, R. A. (1961). “The Behavioral Approach in Political Science: Epitaph for a Monument to a Successful Protest”. American Political Science Review, 55(4), 763–772.
- Popper, K. (1959). The Logic of Scientific Discovery. London: Hutchinson.
- Kuhn, T. S. (1962). The Structure of Scientific Revolutions. University of Chicago Press.
- Lehner, M. (1997). The Complete Pyramids. London: Thames & Hudson.


