تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد سلطان

تاريخ العلمانية: كيف سيطر رجال الدين على ملوك أوروبا وأراضيها؟

في هذه الحلقة من سلسلة «تاريخ العلمانية» نأخذكم في رحلة عبر الزمن إلى أوروبا في العصور الوسطى، حين لم تكن المؤسسة الدينية تكتفي بتعليم الناس الدين، بل كانت تتحكم في حياتهم بالكامل، وكان لرجال الدين الكلمة العليا، ومن يخالفهم يتعرض للعقاب. فكيف بلغت هذه السيطرة حدًّا دفع الناس إلى البحث عن بديل، فبدأت العلمانية في الانتشار؟

أولًا: المؤسسة الدينية هي الدولة

لم تكن المؤسسة الدينية في أوروبا العصور الوسطى مجرد كيان ديني يعلّم الناس الصلاة ويدعوهم إلى الأخلاق، بل كانت هي الدولة نفسها؛ إذ تحكّم رجال الدين في السياسة والاقتصاد والقوانين، وكانوا أحيانًا يملكون قوة تفوق قوة الملوك أنفسهم.

ثانيًا: ملكية الأراضي

امتلكت المؤسسة الدينية مساحات هائلة من الأراضي الزراعية؛ فالفلاح البسيط في فرنسا أو إنجلترا كان يعمل غالبًا على أرض تملكها المؤسسة الدينية لا النبلاء ولا الملوك. ففي فرنسا في القرن الثاني عشر مثلًا، كانت المؤسسة الدينية تمتلك نحو ثلث الأراضي، وكان الفلاحون مضطرين للعمل فيها ودفع الضرائب.

ثالثًا: الضرائب الدينية

لم تعتمد المؤسسة الدينية على تبرعات المؤمنين فقط، بل فرضت ضرائب دينية مثل «العُشر»، وهي ضريبة يدفع بموجبها كل فرد نحو 10% من دخله. وكان يُفترض أن تموّل هذه الأموال دور العبادة والأنشطة الدينية، لكن جزءًا كبيرًا منها تحوّل إلى حياة باذخة لكبار رجال الدين الذين عاشوا في القصور وارتدوا أغلى الثياب.

رابعًا: سلطة فوق سلطة الملوك

كان رجال الدين في أحيان كثيرة أقوى من الملوك؛ فقد كان البابا في روما يُعدّ «ملك الملوك» والملك الروحي لأوروبا، وكان بإمكانه أن يُنزل بأي ملك عقوبة «الحرمان الكنسي» إذا خالف أوامر المؤسسة الدينية. ومن أشهر الأمثلة قصة الملك هنري الرابع في ألمانيا، الذي حرمه البابا غريغوري السابع في القرن الحادي عشر، فاضطر الملك إلى الذهاب بنفسه إلى البابا في إيطاليا ليلتمس العفو، ووقف ثلاثة أيام خارج القصر في البرد حتى سامحه البابا. ملكٌ بجيش ودولة يضطر إلى ذلك أمام رجل دين!

خامسًا: المشاركة المباشرة في السياسة

شارك كبار رجال الدين من الأساقفة والكرادلة في القرارات السياسية الكبرى، وكان كثير منهم مستشارين للملوك. ففي إنجلترا مثلًا، أصبح توماس بيكيت رئيسًا لأساقفة كانتربري، وكان له تأثير ضخم على السياسة في عهد الملك هنري الثاني، إلى أن نشب بينهما صراع على السيطرة على المؤسسة الدينية والدولة، انتهى بمقتله داخل الكاتدرائية على يد رجال الملك.

سادسًا: الجيوش والحروب باسم الدين

ولحماية الأراضي والضرائب، كان للمؤسسة الدينية جنودها الذين يدافعون عن مصالحها. ومن أشهر الأمثلة الحملات الصليبية التي دعا إليها البابا في روما، وطلب من ملوك أوروبا الخروج للحرب في الشرق الأوسط؛ وكانت هذه الحروب تُخاض تحت شعارات دينية، لكن المؤسسة الدينية كانت تستفيد منها سياسيًا واقتصاديًا إلى حد كبير.

ماذا تعلّمنا من تلك المرحلة؟

تركت العصور المظلمة في أوروبا أثرًا كبيرًا في الحضارات التي جاءت بعدها؛ فقد كشفت كيف يمكن أن يُوظَّف الدين لخدمة مصالح شخصية، وكيف تقف الصراعات المالية والحروب في وجه أي تقدم. ومن هنا أدرك الأوروبيون أهمية الفصل بين الدين والسلطة حين يتحول توظيف الدين إلى مصدر للظلم، فانفتح الباب أمام عصور التنوير والتقدم العلمي.

وما نتعلمه اليوم هو قيمة الحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية والتعددية، وقبول الجميع دون تمييز على أساس اللون أو اللغة أو الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

شاهد الحلقة كاملة على قناتي في يوتيوب، واشترك في القناة ليصلك كل جديد من سلسلة تاريخ العلمانية.

اقرأ أيضًا في سلسلة تاريخ العلمانية

شارك المقال

WhatsApp
Telegram
X
Facebook
LinkedIn
هل أعجبك المقال؟انضم إلى أكثر من ٤٠ ألف مشترك على يوتيوب و٢٠ ألف متابع على فيسبوك، حيث أشرح هذه الأفكار وأكثر بالفيديو.
اشترك في القناة
تابعني:
Picture of محمد سلطان

محمد سلطان

باحث في النظرية السياسية وخبير في شؤون أمريكا اللاتينية، يكتب في الفكر السياسي والحضارات ونقد الحداثة، ويجمع بين البحث الرصين وخبرة تمتد لأكثر من ١٣ عامًا في الإبداع والتسويق.

رسالة سلطان الشهرية

مقال مختار، وأحدث الفيديوهات، وقراءات في النظرية السياسية وأمريكا اللاتينية: رسالة واحدة في الشهر، بلا إزعاج.

بريدك في أمان، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *