في هذه الحلقة من سلسلة «تاريخ العلمانية» نعود إلى أوروبا في العصور الوسطى، حين امتلك رجال الدين سلطة ضخمة على كل جوانب الحياة، وكان أي اكتشاف علمي جديد يُعدّ تهديدًا لسيطرتهم. فكيف تحوّلت العلاقة بين المؤسسة الدينية والعلم إلى صراع مفتوح؟ ولماذا كان هذا الصراع من أهم أسباب ظهور العلمانية؟
الخوف من المعرفة
رأى رجال الدين أنفسهم المتحدثين الوحيدين باسم الرب على الأرض، وأصحاب الحق الحصري في تفسير العالم، فاعتبروا أي محاولة لتفسير الظواهر الطبيعية تفسيرًا علميًا خروجًا عن الإيمان. وكان هذا الخوف من العلم سببًا رئيسيًا في تأخر أوروبا قرونًا طويلة. وهي ظاهرة لا تخص دينًا بعينه، بل تتكرر كلما ادّعى أحدهم امتلاك الحقيقة المطلقة بحيث لا يجوز سؤاله أو مراجعته.
جاليليو ومركزية الشمس
من أشهر أمثلة هذا الصراع قصة العالم الإيطالي جاليليو جاليلي، الذي كان من أوائل من أكدوا أن الشمس هي المركز وأن الأرض تدور حولها، خلافًا لتعاليم المؤسسة الدينية التي كانت تقول إن الأرض مركز الكون. وحين نشر اكتشافاته اتُّهم بالهرطقة، واستُدعي إلى محاكمة دينية عام 1633، وأُجبر في النهاية على التراجع علنًا عن أفكاره، وحُكم عليه بالإقامة الجبرية بقية حياته.
ولم يكن جاليليو وحده؛ فقد كان العلماء في ذلك العصر مهددين بالسجن والتعذيب وحتى الإعدام إذا تعارضت أبحاثهم مع تعاليم المؤسسة الدينية.
السيطرة على التعليم والكتب
سعت المؤسسة الدينية إلى السيطرة الكاملة على التعليم في أوروبا، انطلاقًا من قناعة بأن المعرفة حكر على رجال الدين. فأدارت معظم الجامعات، وركزت المناهج على اللاهوت ومنعت الموضوعات التي تتعارض معه، وكانت كتب العلوم الطبيعية والفلسفة تُمنع في الغالب، وفُرضت رقابة صارمة وصلت إلى حرق الكتب التي تُعدّ «خطرة»، فبقيت المعرفة العلمية محصورة في نطاق ضيق.
محاكم التفتيش
كانت محاكم التفتيش من أقسى الأدوات التي استُخدمت لمحاربة المعرفة الجديدة؛ وهي جهاز قضائي ديني هدفه التحقيق مع كل من يُشتبه في حمله أفكارًا أو معتقدات مخالفة. وقد تعرّض العلماء والفلاسفة، بل والناس العاديون، للاستجواب والتعذيب. واشتهرت هذه المحاكم في إسبانيا، حيث طالت أصحاب الأفكار العلمية الجديدة، كما طالت أتباع الديانات الأخرى كاليهود والمسلمين في الأندلس.
الإيمان الأعمى والجمود الفكري
كان التفكير النقدي والبحث عن الحقيقة يُعدّان تهديدًا مباشرًا؛ فقيل للناس إن كل الإجابات موجودة سلفًا، ولا حاجة إلى البحث أو الاكتشاف، وإن عليهم قبول كل ما تقوله المؤسسة الدينية دون سؤال. وهكذا عاشت أوروبا حالة من الجمود الفكري لقرون طويلة.
جوردانو برونو
ومن الأمثلة الشهيرة أيضًا الفيلسوف والعالم الإيطالي جوردانو برونو، الذي قال إن الكون غير محدود، وإن النجوم التي نراها شموس بعيدة لها كواكبها الخاصة. كانت أفكاره ثورية في عصره، فحوكم بتهمة الهرطقة، وبعد محاكمة طويلة صدر عليه حكم بالإعدام حرقًا، ونُفّذ في روما عام 1600.
من النهضة إلى الثورة العلمية
ورغم كل ذلك، بدأ العلماء والفلاسفة في أوروبا مع مرور الوقت يثورون على هيمنة المؤسسة الدينية على العلم. فكانت حركة النهضة التي انطلقت في إيطاليا في القرن الرابع عشر بداية لعودة العلم والمعرفة إلى الحياة الأوروبية، إذ شجعت البحث العلمي والتفكير النقدي، وفتحت الباب أمام العصور الحديثة واكتشافاتها الكبرى، مثل قوانين الحركة والجاذبية التي وضعها إسحاق نيوتن، فكانت بداية الثورة العلمية التي غيّرت وجه العالم.
سؤال مفتوح
رأينا في هذه الحلقة كيف استطاع الناس الإفلات من قبضة المؤسسة الدينية ليبدأ العالم موجة جديدة تُعلي من قيمة العلم. لكن يبقى السؤال: هل ساعد العلم الإنسان فعلًا؟ وهل كانت المشكلة في سطوة المؤسسة الدينية وحدها، أم أنها أكبر من ذلك؟
شاهد الحلقة كاملة على قناتي في يوتيوب، واشترك في القناة ليصلك كل جديد من سلسلة تاريخ العلمانية.


